فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ} (49)

{ مكنون } مصون .

{ المخلصين } أخلصهم الله تعالى لطاعته وولايته .

{ إلا عباد الله المخلصين( 40 )أولئك لهم رزق معلوم( 41 )فواكه وهم مكرمون ( 42 )في جنات النعيم( 43 )على سرر متقابلين( 44 )يطاف عليهم بكأس من معين( 45 )بيضاء لذة للشاربين( 46 )لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ( 47 ) وعندهم قاصرات الطرف عين( 48 )كأنهن بيض مكنون( 49 ) } .

لكن عباد الرحمن الذين أخلصهم الملك الديان لطاعته وولايته لا يذوقون العذاب ، [ وقيل استثناء منقطع من ضمير { تجزون } على أن المعنى : تجزون بمثل ما عملتم ، لكن عباد الله المخلصين يجزون أضعافا مضاعفة بالنسبة إلى ما عملوا . . . . { أولئك } العباد المذكورون ، وفيه إشارة إلى أنهم ممتازون بما اتصفوا به من الإخلاص في عبادته تعالى عمن عداهم امتيازا بالغا ، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضل ، وهو مبتدأ ، وقوله تعالى { لهم } إما خبر له ، وقوله سبحانه : { رزق } مرتفع على الفاعلية للظرف ، وإما خبر مقدم ، و{ رزق } مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر المبتدأ . . { معلوم } أي معلوم الخصائص ككونه غير مقطوع ولا ممنوع ، حسن المنظر ، لذيذ الطعم ، طيب الرائحة . . ]{[3910]} ، { فواكه } بدل من رزق ، بدل كل من كل ، وقد تعني ما يؤكل للتلذذ دون الاقتيات ، وقد تعني الثمار كلها رطبها ويابسها ، { وهم مكرمون } والعباد المخلصون لا يلحقهم في الجنة هوان بل هم في ضيافة الكبير المتعال { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }{[3911]} موفورة كرامتهم ، وهذا من نعيمهم المعنوي فوق ما ينالهم من النعيم الحسي ، { في جنات النعيم . على سرر متقابلين } مستقرهم جنات ليس فيها كد ولا هم ، ولا سقم ولا موت ، وإنما هي للنعيم المقيم { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور . الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب }{[3912]} . ويجلسون على سرر مصفوفة ، يتكئون عليها ووجوههم متقابلة ، لا ينظر أحدهم إلى قفا الآخر .

{ يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين } تدار عليهم الأشربة الشهية اللذيذة ، تجري وتتدفق بها جداول وأفلاج في الجنة ، كالذي بشر الله تعالى به في قوله الكريم : { مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى . . }{[3913]} .

والآنية التي يسقون بها منها ما هو كأس اتسع فمه وليس له مقبض ، ويطاف عليهم بآنية أخرى ، كما جاء في قول الحق تبارك اسمه : { يطوف عليهم ولدان مخلدون . بأكواب وأباريق وكأس من معين }{[3914]} ، فالأكواب أوان لها عرى وليس لها خراطيم ، والأباريق أوان ذات عرى وخراطيم ، والكأس بيضاء يستمتع الشارب برؤيتها ويتلذذ بشرب ما فيها ، { لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون } ليس في أشربة الجنة ما يعقب شاربها وجعا أو مغصا أو مرضا ، أو صداعا ، ولا ما يدخل عليه فسادا يلحقه في خفاء وهو لا يدري ، كما أنها لا تذهب العقل ، ولا توهن البدن ، وقيل عن للتعليل والسببية .

{ وعندهم قاصرات الطرف عين . كأنهن بيض مكنون } ومع عباد الله المخلصين في جنات النعيم نساء قصرن أنظارهن على أزواجهن ، لا يمددن بصرا إلى غيرهم ، واسعات أعينهن ، بلغن الغاية في الجمال ، والصون والعفاف ، كالبيض الذي كنه الريش في العش ، فلم تمسه الأيدي ، ولم يصبه الغبار .


[3910]:ما بين العلامتين[ ]مما أورد صاحب روح المعاني.
[3911]:من سورة القمر.الآية 55.
[3912]:سورة فاطر.الآيتان: 24، 25.
[3913]:سورة محمد.من الآية15.
[3914]:سورة الواقعة.الآيتان: 17 ، 18.