ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم ، فقال تعالى : { وإذا بدلنا } ، أي : بعظمتنا بالنسخ ، { ءاية } ، سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر ، وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار ، أو شاقّة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس ، فجعلناها { مكان ءاية } شاقة كالعدة بحول ، ومصابرة عشرة من الكفار ، أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر ، وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين آخره ، فكانت الثانية مكان الأولى وبدلاً منها ، أو يكون المعنى : نسخنا آية صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة ؛ والتبديل : رفع الشيء مع وضع غيره مكانه . { والله } ، أي : الذي له الإحاطة الشاملة ، { أعلم بما ينزل } من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره . { قالوا } ، أي : الكفار ، { إنما أنت } ، أي : يا محمد ! { مفتر } ، أي : فإنك تأمر اليوم بشيء وغداً تنهى عنه وتأمر بضده ، وليس الأمر كما قالوا ، { بل أكثرهم } ، وهم الذين يستمرون على الكفر ، { لا يعلمون * } ، أي : لا يتجدد لهم علم ، بل هم في عداد البهائم ؛ لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول ، لانهماكهم في اتباع الشيطان ، حتى زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز ، على أن كل ما كان معجزاً كان من عند الله ، سواء كان ناسخاً أو منسوخاً أو لا ، فصارت معرفة أن هذا قرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان ، من أوضح الأمور وأسهلها تناولاً لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة .
قوله تعالى : { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ( 101 ) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ( 102 ) } هذه الآية في النسخ ، وفيما تقوله المشركون الجاهلون في حقيقته ؛ إذ قالوا : إن رسول الله ( ص ) مفتر على الله في جعل حكم بدل آخر . والنسخ في اللغة بمعنى الإزالة ، والإبطال وإقامة الشيء مقام غيره{[2609]} . والنسخ في الاصطلاح : هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر{[2610]} ، وقد بينا في سورة البقرة حقيقة النسخ في شيء من التفصيل .
أما معنى الآية ههنا فهو : وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى ، ( والله أعلم بما ينزل ) ، جملة اعتراضية بين الشرط وجوابه ؛ أي الله أعلم بالذي هو أصلح لعباده فيما يبدل ويغير من الأحكام .
قوله : ( قالوا إنما أنت مفتر ) ، جواب إذا . والقائلون هم المشركون الجاحدون يقولون للنبي ( ص ) عقب نسخ حكم من الأحكام : ( إنما أنت مفتر ) ، فقد نسبوا إلى النبي ( ص ) الافتراء بأنواع من المبالغات ، وهي : الحصر والخطاب ، واسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار{[2611]} ؛ أي إنما أنت يا محمد متقوِّل تخرص باختلاق الكلام والأحكام من عندك ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) ، مفعول ( يعلمون ) محذوف ؛ أي : بل أكثر هؤلاء القائلين إنك مفتر جهلة سفهاء ، لا يعلمون الحكمة البالغة من نسخ الأحكام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.