الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

{ لولا } هلا { إذ سمعتموه } يعني الإفك { ظن المؤمنون والمؤمنات } رجع من الخطاب إلى الخبر والمعنى ظننتم أيها المؤمنون بالذين هم كأنفسهم { خيرا } والمؤمنون كلهم كالنفس الواحدة وقلتم { هذا إفك مبين } كذب ظاهر

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقابهم ، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت ، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجباً من قائله ، أو مستثبتاً في أمره ، ومنهم من كذبه ، أتبعه سبحانه بعتابهم ، في أسلوب خطابهم ، مثنياً على من كذبه ، فقال مستأنفاً محرضاً : { لولا } أي هلا ولم لا { إذ سمعتموه } أيها المدعون للإيمان . ولما كان هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال : { ظن المؤمنون } أي منكم { والمؤمنات } وكان الأصل : ظننتم ، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ ، وصرح بالنساء ، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة : { بأنفسهم } حقيقة { خيراً } وهم دون من كذب عليها ، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم ، لأن المؤمنين كالجسد الواحد ، أو ظنوا ما يظن بالرجل لو خلا بأمه ، وبالمرأة إذا خلت بابنها ، فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين { وقالوا هذا إفك } أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه { مبين* } أي واضح في نفسه ، موضح لغيره ، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول : خذوني فهو يسعى في التستر جهده ، فإتيان صفوان بعائشة رضي الله عنها راكبة على جملة داخلاً بها الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي ، إدلالاً بحسن عمله ، غافلاً عما يظن به أهل الريب ، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين ، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر ، تعرف به خيانته ، فالأمور تذاق ، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه ، ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته رضي الله عنهما بما أشارت إليه هذه الآية ؛ قال ابن اسحاق : حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها ؟ قال : بلى وذلك كذب ، أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله ، قال : فعائشة والله خير منك . وروى البغوي أنه قال : سبحانك هذا بهتان عظيم ، فنزلت الآية على وفق قوله رضي الله عنه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

قوله تعالى : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ( 12 ) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ( 13 ) } ذلك تأديب وعتاب من الله للمؤمنين حين أفاض الناس في قصة الإفك بما لا ينبغي أن يصدر عنهم وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيقنوا بعصمة نبيهم ( ص ) وما يقتضيه ذلك من طهر بيته المصون . ما كان ينبغي لهم- وهم المؤمنون المصدقون- أن يستمعوا مجرد استماع لمثل هذا الافتراء الظالم دون أن يفنّدوه ويدحضوه دحضا ويستنكروه أيما استنكار . فقال سبحانه : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) أي هلا ، حين سمعتم مقالة الإفك وفداحة الكذب والافتراء على أم المؤمنين – أن تقيسوا ذلك على أنفسكم ، فإن كان ذلك لا يليق بكم ولا يصدر عنكم ولا يُتصور حصوله منكم فلا جرم أن يكون حصوله عن الحرم المصون أشد بعدا . وقد ذكر في ذلك أن أبا أيوب الأنصاري دخل يوما على امرأته فقالت له : يا أبا أيوب ، أسمعت ما قيل ؟ ! فقال : نعم ! وذلك الكذب ! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك ؟ ! قالت : لا والله : قال : فعائشة والله أفضل منكِ . قالت أم أيوب : نعم .

ذلك الذي ينبغي أن يتجلى في خلق المسلمين وسلوكهم ليكونوا أبعد الناس عن طيش التفكير وثرثرة اللسان في خفة ورعونة . المسلمون الحقيقيون أجد أن لا تسخفهم فئة مندسّة من المارقين والمنافقين الماكرين فيرددوا مقالات فحشهم في حماقة وعجل . والأهم من ذلك كله أن يثق المسلم بشرف إخوانه وصدقهم وبراءتهم مما ينسب إليهم من بذاءات الكلام الخسيس . فما يسمع المسلم عن إخوانه كلمة الفحش أو السوء حتى يبادر في عجل لدفعها وتكذيبها والذبّ عن إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا .

وكيف إذا كان المفترى عليه حمى رسول الله ( ص ) وبيته المشرّف الميمون ، خير بيت حملته الأرض أو سمعت به الأمم والأجيال ؟ ! إنه لجدير بكل مسلم أن يُجهش في الغيرة والغضب إذا ما اجترأ خبيث أو مارق أو حاقد أو سفيه مسف على الإساءة إلى شرف رسول الله ( ص ) أو سمعته . كالذي نقرأه أو نسمعه من مقولات الكذب والافتراء والسوء تخطها أقلام الكذابين الأفاكين من خصوم الإسلام في الغرب والشرق ، حيث الاستعماريون والصليبيون والصهيونيون والوثنيون وأتباعهم من الناعقين والعملاء في كل مكان . فأولئك جميعا يتمالأون على الإسلام تارة ، وعلى نبي الإسلام تارة أخرى ، وذلك بإثارة الشبهات والأباطيل مما ينشر الظن والريبة والقلق في نفوس المسلمين فيرتابون في رسول الله ( ص ) ثم ينثنون عن دينهم أو يزهدون فيه .

وما على المسلمين أمام هاتيك الحملات المشوبة على الإسلام ودينه إلا أن يحذروا ويتنبهوا ويبادروا في همة رفيعة وحماسة مشبوبة للتصدي والرد على هذه الأكاذيب المصطنعة لتفنيدها ودفعها وكشف زيفها وسخفها كيما يعلم الناس والغافلون أن الذين يفترون على الإسلام ونبيه ليسوا غير شراذم من مرضى النفوس والعقول . أولئك المضلون الموغلون في العماية وسقم التفكير .

قوله : ( وقالوا هذا إفك مبين ) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك : هذا كذب وإثم وبهتان .