الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

{ وإلى مدين } وهم قبيلة من ولد إبراهيم عليه السلام { قد جاءتكم بينة من ربكم } موعظة { فأوفوا الكيل والميزان } أتموهما وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان { ولا تفسدوا في الأرض } لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثة شعيب والأمر بالعدل

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص ، أعاد النسق الأول فقال { وإلى مدين } أي أرسلنا ، وهي بلد ، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن{[32690]} إبراهيم الخليل عليه السلام { أخاهم } أي من النسب ، وبينه بقوله : { شعيباً } وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه ؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق : { قال يا قوم } دالاً على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة ، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال{[32691]} : { اعبدوا الله } أي{[32692]} الذي يستحق العبادة لذاته بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى .

ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا{[32693]} يقبل الشرك لأنه غني ، علل ذلك بقوله : { ما لكم } وأغرق في النفي بقوله : { من إله غيره } ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله : { قد جاءتكم } أي على يدي { بينة } ولما كنا عالمين من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " أن هذه البينة معجزة ، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا ، لم تعن ؛ ثم زادهم ترغيباً بقوله : { من ربكم } أي الذي لم تروا{[32694]} إحساناً إلا منه .

ولما كان إتيانه بالبينات سبباً لوجوب امتثال أمره ، قال مسبباً عنه : { فأوفوا الكيل } أي و المكيال والوزن { والميزان } أي ابذلوا ما تعطون بهما وافياً ، فالآية من الاحتباك ، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط .

ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس ، صريح به على وجه يعم غيره فقال : { ولا تبخسوا } أي تنقصوا{[32695]} وتفسدوا كما أفسد البخسة{[32696]} { الناس أشياءهم } أي شيئاً من البخس في كيل {[32697]}ولا {[32698]}وزن ولا غيرهما ، والناس - قال في القاموس - يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه " أل " ، وقال أبو عبد الله القزاز : الناس أصله عند البصريين أناس ، ثم أدخلوا الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة{[32699]} وبقي الناس ، وكان أصله فعال من :أنست{[32700]} به ، فكأنه قيل : أناس - يعني على القلب ، قال : لأنه يؤنس إليهم - انتهى . إذا علم هذا علم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأحرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه .

ولما نهى عن الفساد بالبخس ، عم كل فساد فقال : { ولا تفسدوا } أي توقعوا الفساد { في الأرض } بوضع شيء من حق الحق أو{[32701]} الخلق في غير موضعه ؛ ولما نهاهم عن هذه الرذائل ، ذكر بنعمة الله تأكيداً للنهي بما في ذلك من التخويف وحثاً على التخلق بوصف السيد فقال : { بعد إصلاحها } أي إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم{[32702]} ثم بنعمة الإبقاء الأول بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح{[32703]} أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله ، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة .

ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي ، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثاً لهم على امتثاله فقال : { ذلكم } أي الأمر العظيم العالي الرتبة مما ذكر في هذه االقصة { خير لكم } ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك ، أشارإلى ذلك بقوله : { إن كنتم مؤمنين* } أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته{[32704]} ، وإذ عرفتم صحته عملتم به ، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح ، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير : فهو خير لكم ، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس الإيمان ، والكافر أعماله فاسدة فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيراً له من جهة إسعاده في الآخرة لأنه لا ثواب له .


[32690]:- زيد من ظ.
[32691]:- زيد في ظ: إن.
[32692]:- سقط من ظ.
[32693]:- زيد من ظ.
[32694]:- من ظ، وفي الأصل: لم يروا.
[32695]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32696]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32697]:- في ظ: أو.
[32698]:- في ظ: أو.
[32699]:-في ظ: الهمز.
[32700]:- من ظ، وفي الأصل: أنسب.
[32701]:- من ظ، وفي الأصل "و".
[32702]:- من ظ، وفي الأصل: المحكمة.
[32703]:- من ظ، وفي الأصل: بإصلاحه.
[32704]:من ظ، وفي الأصل: قبله.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

قوله تعالى : { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين 85 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين 86 وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذين أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } .

يطلق اسم مدين على القبيلة أو على المدينة ؛ وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز ، وهم أصحاب الأيكة . ومدين ممنوع من الصرف ؛ لأنه اسم علم مؤنث أضيف إلى مضاف قبله ، وتقديره أهل مدين . أما شعيب فهو من أولاد إبراهيم ؛ فقد قيل : إنه ابن حرة بن يشجر بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ؛ فقد أرسل الله إلى أهل مدين رجلا منهم وهو شعيب ليبلغهم دعوة الله ويأمرهم بالتوحيد والاستقامة وينهاهم عن الشرك والمنكر ، ويحذرهم من بخس الناس أشياءهم وهو قوله تعالى : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } البينة ، العلامة والحجة من الله بحقيقة ما يقول لهم نبيهم شعيب وبصدق ما يدعوهم إليه من التوحيد والاستقامة . وقيل : يراد بالبينة المعجزة الظاهرة من رب العالمين مالك كل شيء . ولم يذكر ماهية المعجزة التي جعلت لشعيب : وقوله : { فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أوفوا يعني أتموا .

فقد أمرهم بإتمام الحقوق لأصحابها وذلك بالكيل الذي يكيلون به ، وبالوزن الذي يزنون به من غير خيانة في ذلك ولا غش . فأيما انتقاص من حقوق الناس عن طريق الكيل أو الميزان لهو كبيرة من الكبائر تصم المنتقمين بوصمة الخيانة وفساد القلب . وذلك شكل من أشكال الحرام أو السحت الذي يودي بصاحبه إلى النار .

وفي التحذير من الخيانة في الكيل والميزان روي الترمذي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والوزن : ( إنكم قد وليتم أمرا فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم ) .

قوله : ولا تبخسوا الناس أشياءهم } من البخس وهو النقص{[1469]} فقد نهي عن كل وجوه الانتقاص من أموال الناس ظلما كالغش في المبيعات بتعييب السلعة والتدليس فيها أو التزهيد فيها لتبوء بالخسارة أو الاحتيال في الكيل والميزان بما يجر للمحتال مالا مقتطعا من نصيب العاقد الآخر . إلى غير ذلك من وجوه الحرام وأكل الأموال بالباطل .

قوله : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } كانت الأرض قبل مبعث شعيب رسولا إلى أهل مدين ، يعمل فيها بكل المعاصي من إشراك وجور وسفك للدماء واستحلال المحارم وفعل للموبقات ، وذلك هو فسادها . أما إصلاحها : فهو ابتعاث النبي شعيب فيها يأمرهم بالخير والمعروف والطاعات ، وينهاهم عن الشرك والجور وفعل المعاصي . وفي هذه الآية ينهي شعيب قومه عن فعل المحرمات والمحظورات مما كانوا يعملونه قبل بعثه إليهم كالشرك ، وبخس الناس في الكيل والميزان ، وغير ذلك من وجوه الظلم والحرام .

قوله : { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي هذا الذي بينته لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده دون سواه وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والميزان واجتناب البخس والفساد في الأرض ، كله خير لكم في دنياكم ؛ إذ تكسبون حب الناس لكم وتصديقهم إياكم وثقتهم بكم ، فتتبايعون وتتعاملون وتستربحون ؛ فتعيشون في مودة وسعادة وتآلف . وهو كذلك خير لكم في آخرتكم يوم القيامة ؛ إذ تحظون بنعيم الله ورضوانه . وذلك كله { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم مصدقي فيما دعوتكم إليه وما أمرتكم به او نهيتكم عنه . وقيل : إنما يجاء بمثل هذا الشرط في أخر الكلام للتأكيد .


[1469]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 41 والمصباح المنير جـ 1 ص 43.