الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

{ والذين هاجروا } نزلت في قوم عذبهم المشركون بمكة الى أن هاجروا وقوله { في الله } أي في رضا الله { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } دارا وبلدة حسنة وهي المدينة { ولأجر الآخرة } يعني الجنة

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا " قد تقدم في " النساء " معنى الهجرة{[9872]} ، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله ، وترك السيئات . وقيل : " في " بمعنى اللام ، أي لله . " من بعد ما ظلموا " أي عذبوا في الله . نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار ، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا ، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة ، قاله الكلبي . وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل . وقال قتادة : المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين . والآية تعم الجميع . " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " في الحسنة ستة أقوال : الأول : نزول المدينة ، قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة . الثاني : الرزق الحسن ، قاله مجاهد . الثالث : النصر على عدوهم ، قاله الضحاك . الرابع : إنه لسان صدق ، حكاه ابن جريج . الخامس : ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات . السادس : ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف . وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله ، والحمد لله . " ولأجر الآخرة أكبر " أي ولأجر دار الآخرة أكبر ، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده ، " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا{[9873]} " [ الإنسان : 20 ] " لو كانوا يعلمون " أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك . وقيل : هو راجع إلى المؤمنين . أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما أدخر لكم في الآخرة أكثر ، ثم تلا عليهم هذه الآية .


[9872]:راجع ج 5 ص 347 وما بعدها.
[9873]:راجع ج 19 ص 142.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( 41 ) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( 42 ) } هذه الآية نزلت في أصحاب النبي ( ص ) بمكة بلال وصهيب وخباب وعامر وجندل بن صهيب ؛ إذ أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم وآذوهم ، فبوأهم الله تعالى بعد ذلك المدينة . وقيل : ذلك إخبار عن جزاء الله لكل الذين هاجروا في سبيله ابتغاء مرضاته ؛ فقد فارقوا الأوطان والأهل والخلان راجين الثواب وحسن الجزاء من الله . وقيل : سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة الله في حرية وأمان . وكان من بينهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ( ص ) ، وجعفر بن أبي طالب وغيرهما في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة رضي الله عنهم أجمعين{[2529]} . والمعنى : أن المؤمنين الذين تركوا أوطانهم وأهليهم وقراباتهم وكل ما لديهم من أموال وممتلكات وصداقات وذكريات ( في الله ) أي لله أو لوجهه وابتغاء مرضاته وثوابه ورحمته ، ورغبة في نصرة دينه ، وليعبدوا الله آمنين أحرارا ( من بعد ما ظلموا ) أي من بعد ما عذبهم الكافرون ليفتنوهم عن دينهم ، وليصدوهم عن دعوة الله إن استطاعوا ، لكنهم مضوا ثابتين صابرين لا تثنيهم الشدائد ولا توهنهم الملمات والفتن والنوائب عن عقيدتهم ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) ( لنبوئنهم ) لنسكننهم . بوأه منزلة ، أسكنه أو أنزله فيه . والمباءة المنزل{[2530]} ، و ( حسنة ) ، صفة للمصدر ؛ أي تبوئة حسنة أو مباءة أو منزلة حسنة . والمراد بها : الحلول بالمدينة ليجدوا فيها أمنهم وسكينتهم واستقرارهم . وليكون لهم فيها السلطان والغلبة والظهور .

وقيل : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة حيث الشرك والظلم وحيث يقيم الضالون الذين عذبوهم واضطروهم للخروج والهجرة ؛ بل الغلبة على سائر البلاد .

قوله : ( ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) ذلك تأكيد من الله على أن ثواب المؤمنين المهاجرين في سبيل الله أكبر مما أوتوه في الدنيا من حسنة ؛ فإن ثوابهم في الآخرة الجنة وهي النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يبيد .

قوله : ( لو كانوا يعلمون ) الضمير عائد إلى المؤمنين ؛ أي لو رأوا مبلغ ثوابهم في الآخرة وما أعده الله لهم من عظيم الجزاء ؛ لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . وقيل : الضمير عائد إلى الكافرين ؛ أي لو علم الكافرون ما أعده الله لعباده المؤمنين يوم القيامة من النعيم لآمنوا ورغبوا في دين الله ، دين الإسلام .


[2529]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 188 وتفسير ابن كثير جـ2 ص 569.
[2530]:- القاموس المحيط جـ1 ص 9.