قوله تعالى : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا " قد تقدم في " النساء " معنى الهجرة{[9872]} ، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله ، وترك السيئات . وقيل : " في " بمعنى اللام ، أي لله . " من بعد ما ظلموا " أي عذبوا في الله . نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار ، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا ، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة ، قاله الكلبي . وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل . وقال قتادة : المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين . والآية تعم الجميع . " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " في الحسنة ستة أقوال : الأول : نزول المدينة ، قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة . الثاني : الرزق الحسن ، قاله مجاهد . الثالث : النصر على عدوهم ، قاله الضحاك . الرابع : إنه لسان صدق ، حكاه ابن جريج . الخامس : ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات . السادس : ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف . وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله ، والحمد لله . " ولأجر الآخرة أكبر " أي ولأجر دار الآخرة أكبر ، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده ، " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا{[9873]} " [ الإنسان : 20 ] " لو كانوا يعلمون " أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك . وقيل : هو راجع إلى المؤمنين . أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما أدخر لكم في الآخرة أكثر ، ثم تلا عليهم هذه الآية .
قوله تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( 41 ) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( 42 ) } هذه الآية نزلت في أصحاب النبي ( ص ) بمكة بلال وصهيب وخباب وعامر وجندل بن صهيب ؛ إذ أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم وآذوهم ، فبوأهم الله تعالى بعد ذلك المدينة . وقيل : ذلك إخبار عن جزاء الله لكل الذين هاجروا في سبيله ابتغاء مرضاته ؛ فقد فارقوا الأوطان والأهل والخلان راجين الثواب وحسن الجزاء من الله . وقيل : سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة الله في حرية وأمان . وكان من بينهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ( ص ) ، وجعفر بن أبي طالب وغيرهما في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة رضي الله عنهم أجمعين{[2529]} . والمعنى : أن المؤمنين الذين تركوا أوطانهم وأهليهم وقراباتهم وكل ما لديهم من أموال وممتلكات وصداقات وذكريات ( في الله ) أي لله أو لوجهه وابتغاء مرضاته وثوابه ورحمته ، ورغبة في نصرة دينه ، وليعبدوا الله آمنين أحرارا ( من بعد ما ظلموا ) أي من بعد ما عذبهم الكافرون ليفتنوهم عن دينهم ، وليصدوهم عن دعوة الله إن استطاعوا ، لكنهم مضوا ثابتين صابرين لا تثنيهم الشدائد ولا توهنهم الملمات والفتن والنوائب عن عقيدتهم ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) ( لنبوئنهم ) لنسكننهم . بوأه منزلة ، أسكنه أو أنزله فيه . والمباءة المنزل{[2530]} ، و ( حسنة ) ، صفة للمصدر ؛ أي تبوئة حسنة أو مباءة أو منزلة حسنة . والمراد بها : الحلول بالمدينة ليجدوا فيها أمنهم وسكينتهم واستقرارهم . وليكون لهم فيها السلطان والغلبة والظهور .
وقيل : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة حيث الشرك والظلم وحيث يقيم الضالون الذين عذبوهم واضطروهم للخروج والهجرة ؛ بل الغلبة على سائر البلاد .
قوله : ( ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) ذلك تأكيد من الله على أن ثواب المؤمنين المهاجرين في سبيل الله أكبر مما أوتوه في الدنيا من حسنة ؛ فإن ثوابهم في الآخرة الجنة وهي النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يبيد .
قوله : ( لو كانوا يعلمون ) الضمير عائد إلى المؤمنين ؛ أي لو رأوا مبلغ ثوابهم في الآخرة وما أعده الله لهم من عظيم الجزاء ؛ لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . وقيل : الضمير عائد إلى الكافرين ؛ أي لو علم الكافرون ما أعده الله لعباده المؤمنين يوم القيامة من النعيم لآمنوا ورغبوا في دين الله ، دين الإسلام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.