الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا} (31)

{ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم } سبق تفسيره في سورة الأنعام . وقوله { خطأ } أي إثما .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا} (31)

فيه مسألتان :

الأولى : قد مضى الكلام في هذه الآية في الأنعام ، والحمد لله{[10214]} . والإملاق : الفقر وعدم الملك . أملق الرجل أي لم يبق له إلا الملَقات ، وهي الحجارة العظام الملس . قال الهذلي يصف صائدا :

أُتِيحَ لها أُقَيْدِرُ ذو حَشيف *** إذا سامَتْ على المَلَقات ساما

الواحدة مَلَقة . والأقيدر تصغير الأقدر ، وهو الرجل القصير . والحشيف من الثياب : الخلق . وسامت مرت . وقال شمر : أملق لازم ومتعد ، أملق إذا افتقر ، وأملق الدهر ما بيده . قال أوس :

وأملق ما عندي خطوب تَنَبَّلُ{[10215]}

الثانية : قوله تعالى : " خطئا " قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمزة والقصر . وقرأ ابن عامر " خطأ " بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة ، وهي قراءة أبي جعفر يزيد . وهاتان قراءتان مأخوذتان من " خطئ " إذا أتى الذنب على عمد . قال ابن عرفة : يقال خطئ في ذنبه خطأ إذا أثم فيه ، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد . قال : ويقال خطئ في معنى أخطأ . وقال الأزهري : يقال خطئ يخطأ خطئا إذا تعمد الخطأ ، مثل أثم يأثم إثما . وأخطأ إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ . قال الشاعر :

دعيني إنما خَطْئِي وصَوْبِي *** عليّ وإن ما أهلكتُ مالُ{[10216]}

والخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء ، وهو ضد الصواب . وفيه لغتان : القصر وهو الجيد ، والمد وهو قليل ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " خطأ " بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة . وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة . قال النحاس : ولا أعرف لهذه القراءة وجها ، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطا . قال أبو علي : هي مصدر من خاطأ يخاطئ ، وإن كنا لا نجد خاطأ ، ولكن وجدنا تخاطأ ، وهو مطاوع خاطأ ، فدلنا عليه ، ومنه قول الشاعر :

تخاطأت النبل أحشاءَه *** وأخَّر{[10217]} يومي فلم أَعْجَلِ

وقول الآخر في وصف مهاة :

تخاطأه القَنَّاص حتى وجدته *** وخرطومه في مَنْقَعِ الماء راسب

الجوهري : تخاطأه أي أخطأه ، وقال أوفى بن مطر المازني :

ألا أبلغا خُلَّتِي جابرا *** بأن خليلك لم يُقْتَلِ

تخاطأت النبل أحشاءه *** وأخَّر{[10218]} يومي فلم يعجلِ

وقرأ الحسن " خطاء " بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة . قال أبو حاتم : لا يعرف هذا في اللغة وهي غلط غير جائز . وقال أبو الفتح : الخطأ من أخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت ، هو اسم بمعنى المصدر ، وعن الحسن أيضا " خَطىً " بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز .


[10214]:راجع ج 7 ص 130.
[10215]:صدر البيت: لما رأيت العدم قيد نائلي
[10216]:في الأصول: "وإن ما أهلكت مالي" والتصويب عن كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء لابن سلام في ترجمة أوس بن غلفاء، ولسان العرب في مادة "صوب". وقيل هذا البيت: ألا قالت أمامة يوم غول *** تقطع يابن غلفاء الحبال يقول: وإن الذي أهلكت إنما هو مال، والمال يستخلف ولم أتلف عرضا. وغول، مكان كان فيه وقعة للعرب لضبة على بني كلاب. (راجع معجم ياقوت).
[10217]:أخر: بمعنى يتأخر، ويجوز "أخر" بضم الهمزة وشد الخاء مع الكسر.
[10218]:أخر: بمعنى يتأخر، ويجوز "أخر" بضم الهمزة وشد الخاء مع الكسر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا} (31)

قوله تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا } كان العرب يقتلون البنات لعجزهن عن الكسب ولقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة . وكانوا أيضا يخشون إنكاح البنات من غير الأكفاء إن كن معسرات . وذلك في تصورهم عار شديد ؛ ومن أجل ذلك يحذر الله عباده أعظم تحذير ، ويخوفهم بالغ التخويف من فظاعة الإقدام على قتل البنات بسبب الفقر أو الإحساس السقيم بالعار بسببهن فقال : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) أي خشية فقر ( نحن نرزقكم وإياكم ) فإن الله لهو رازق الجميع ، فما رزق الأولاد إلا على ربهم وهو سبحانه ضمين بذلك .

قوله : ( إن قتلهم كان خطأ كبيرا ) أي إثما كبيرا . نقول : خطأ يخطأ بالكسر . مثل : أثم يأثم إثما فالخِطء بالكسر مصدر ومعناه الذنب . والاسم الخطيئة . والجمع : الخطايا . والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي . أما أخطأ يخطئ خطأك إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد . والاسم الخطأ بالفتح{[2677]} .

وجملة ذلك : التنديد البالغ بقتل الأولاد خشية الفقر بسبب الإنفاق عليهن . ولا يجترئ على هذا المنكر الفظيع إلا ظلوم أثيم ؛ فإن قراءة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية ؛ فهي بذلك من أعظم البواعث للمحبة والشفقة . فمن ذا الخاطئ الكنود الذي يفعل مثل هذه الفعلة النكراء إلا من أفرغ قلبه من كل معالم الرحمة والشفقة . وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت : يا رسول الله ، أي ذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت : " ثم أي ؟ قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تزني بحليلة جارك " .


[2677]:- مختار الصحاح ص 180 وتفسير الرازي جـ20 ص 198.