الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

{ وربطنا على قلوبهم } ثبتناها بالصبر واليقين { إذ قاموا } بين يدي ملكهم الذي كان يفتن أهل الأديان عن دينهم { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } كذبا وجورا إن دعونا غيره

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

قوله تعالى : " وربطنا على قلوبهم " عبارة عن شدة عزم وقوة صبر ، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ، ومنه يقال : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها . ومنه الربط على قلب أم موسى . وقوله تعالى : " وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام " [ الأنفال : 11 ] وقد تقدم{[10451]} .

قوله تعالى : " إذ قاموا فقالوا " فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى :{ إذ قاموا فقالوا } يحتمل ثلاثة معان : أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا في ذات الله هيبته . والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة ، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد ؛ فقال أسنهم : إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ، فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا . فقاموا جميعا فقالوا : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا . والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام ، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد .

الثانية : قال ابن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقول " إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض " .

قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته ، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء . أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء . ثم هذا حرام عند جماعة العلماء ، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى{[10452]} . وقد تقدم في " سبحان " عند قوله : " ولا تمش في الأرض مرحا " {[10453]} [ الإسراء : 37 ] ما فيه كفاية . وقال الإمام أبو بكر الطَّرطوشي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ؛ لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، على ما يأتي .


[10451]:راجع جـ 7 ص 271.
[10452]:راجع جـ 14 ص 69 فما بعد.
[10453]:راجع ص 260 من هذا الجزء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

قوله : ( وربطنا على قلوبهم ) أي ثبتناهم وقويناهم بالصبر على مخالفة قومهم المشركين ومفارقة ما كانوا فيه من النعمة والسعة والعيش الرغيد فرارا بدينهم وخشية الفتنة .

قوله : ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) ذكر بعض المفسرين أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه . فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم ، والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض . فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية . حتى اجتمعوا كلهم على قدر تحت ظل شجرة . وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . وقد جاء في حديث البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( ص ) : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " {[2777]} . ولما عرف بهم قومهم وشوا بأمرهم إلى الملك فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، وأمرهم باتباع دينه وتوعدهم على رفض ذلك بالقتل فقالوا له في عزم وثبات ما قاله الله : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( شططا ) ، منصوب على أنه صفقة لمصدر محذوف ، وتقديره : قولا شططا . وقيل : منصوب بالفعل ( قلنا ) {[2778]} والشطط ، في اللغة ، مجاوزة القدر في كل شيء{[2779]} وهو الجور والظلم . والشطوط ، معناه البعد . واشتط ؛ أي أبعد . والمراد به هنا : الإفراط في الظلم والافتراء ، والإبعاد في الجور والكذب .


[2777]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 74.
[2778]:-البيان لابن الأنباري جـ2 ص 101.
[2779]:- المصباح جـ1 ص 335 ومختار الصحاح 338.