الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (5)

{ أولئك } يعني الموصوفين بهذه الصفات { على هدى } بيان وبصيرة { من ربهم } أي من عند ربهم { وأولئك هم المفلحون } الباقون في النعيم المقيم

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (5)

قوله تعالى : " أولئك على هدى " قال النحاس أهل نجد يقولون : أُلاك ، وبعضهم يقول : أُلالك ، والكاف للخطاب . قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ، ومن قال ألاك فواحده ذاك ، وألالك مثل أولئك ، وأنشد ابن السكيت :

ألالك قومي لم يكونوا أُشابة{[197]} *** وهل يعظ الضِّلّيل إلا ألالكا

وربما قالوا : أولئك في غير العقلاء ، قال الشاعر :

ذُمّ المَنَازِلَ بعد منزلةِ اللِّوَى *** والعيشَ بعد أولئكَ الأيامِ

وقال تعالى : " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا{[198]} " [ الإسراء : 36 ] وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : " من ربهم " ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم ، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال : " من أنفسهم " ، وقد تقدم الكلام فيه{[199]} وفي الهدى{[200]} فلا معنى لإعادة ذلك .

" وأولئك هم المفلحون " " هم " يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره " المفلحون " ، والثاني وخبره خبر الأول ، ويجوز أن تكون " هم " زائدة - يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و " المفلحون " خبر " أولئك " .

والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ، قال الشاعر :

إن الحديد بالحديد يُفلَح

أي يشق ، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث ، قال أبو عبيد . ولذلك سمي الأكّار{[201]} فلاحا . ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح ، وهو بيّن الفلَحة ، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه . وقد يستعمل في الفوز والبقاء ، وهو أصله أيضا في اللغة ، ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك ، معناه فوزي بأمرك ، وقال الشاعر :

لو كان حيّ مدرك الفلاح *** أدركه مُلاعب الرماح

وقال الأضبط بن قُرَيع السعدي في الجاهلية الجهلاء :

لكل هم من الهموم سعهْ *** والمُسيُ والصُبح لا فلاح معهْ

يقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء . وقال آخر :

نحل بلادا كلها حل قبلنا *** ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير

أي البقاء : وقال عبيد :

أفلح بما شئت فقد يُدْرَكُ بالض *** عف وقد يُخدَّع الأريب

أي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل . فمعنى " وأولئك هم المفلحون " : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها . وقال ابن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا ، والمعنى واحد . وقد استعمل الفلاح في السحور ، ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور . أخرجه أبو داود . فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا . والفلاح ( بتشديد اللام ) : المُكاري في قول القائل{[202]} :

لها رِطلٌ تكيل الزيت فيه *** وفلاَّحٌ يسوق لها حمارا

ثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب .

مسألة : إن قال كيف قرأ حمزة : عليهُم وإليهُم ولديهُم ، ولم يقرأ من ربهُم ولا فيهُم ولا جنتيهُم ؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف ، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها ، وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم ، ووافقه الكسائي في " عليهم الذلة " و " إليهم اثنين " على ما هو معروف من القراءة عنهما .


[197]:الأشابة من الناس: الأخلاط: والأشابة في الكسب: ما خالطه الحرام الذي لا خير فيه والسحت.
[198]:راجع ج 10 ص 259.
[199]:راجع المسألة الحادية والثلاثين ص 149.
[200]:راجع المسألة الثانية ص 160 من هذا الجزء.
[201]:الذي يحرث الأرض
[202]:هو عمرو بن أحمد الباهلي، كما في اللسان مادة (فلح).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (5)

وقوله : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( اسم الإشارة ( أولئك ( يعود على من سبقت صفاتهم في الآية من إيمان بالغيب ، وإقامة الصلاة ، وإنفاق من عطاء الله ، وإيمان بالكتب السماوية كلها دون تفريق بين أحد منها ، وكذلك من تصديق بيوم القيامة وما يتخللها من أهوال وقوارع ، فإن الموصوفين بذلك جميعا على هداية من الله وبصيرة ونور ، ومن حيث الإعراب فإن ( أولئك( اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وخبره شبه الجملة بعده وهو قوله : ( على هدى من ربهم ( وقوله : ( وأولئك هم المفلحون( أولئك ، اسم إشارة في محل رفع مبتدأ هم ، ضمير الفصل ، خبر أولئك ، والمفلحون من الإفلاح وهو الفوز والنجاة ، وقيل : معناه الشق والقطع ، مثلما يقال : أفلح الأرض أي شقها بالحرث ، لتكون صالحة للإنبات والزرع ، وبناء على ذلك فإن ( المفلحون( هم الذين يشقون طريقهم في الحياة فيحتملون المتاعب والمصاعب ، كما تتحقق لهم الأهداف والمطالب ، أو هم الذين يصبرون على طاعة الله بالتصديق واليقين وأداء الواجبات جميعا ليفوزوا بعطاء الله في الدنيا والآخرة .