الأولى : قوله تعالى : " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم " " علمتم " معناه عرفتم أعيانهم . وقيل : علمتم أحكامهم . والفرق بينهما : أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى ، والعلم متوجه إلى أحوال المسمى . فإذا قلت : عرفت زيدا ، فالمراد شخصه ، وإذا قلت : علمت زيدا ، فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص . فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد ، وهو قول سيبويه : " علمتم " بمعنى عرفتم . وعلى الثاني إلى مفعولين وحكى الأخفش ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه . وفي التنزيل : " لا تعلمونهم الله يعلمهم " [ الأنفال : 60 ] كل هذا بمعنى المعرفة ، فاعلم .
" الذين اعتدوا منكم في السبت " [ البقرة : 65 ] صلة " الذين " . والاعتداء . التجاوز ، وقد تقدم{[841]} .
الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي . فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك فإن له أربعة أعين{[842]} . فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات ، فقال لهم : ( لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرفوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت ) . فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي . قال : ( فما يمنعكم أن تتبعوني ) قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود . وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وسيأتي لفظه في سورة " سبحان{[843]} " إن شاء الله تعالى .
الثالثة : " في السبت " معناه في يوم السبت ، ويحتمل أن يريد في حكم السبت . والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال . وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة{[844]} وألقاها في ذنب الحوت ، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى ، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق ، وأعلن الفسقة بصيده . فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت . ويقال : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار . فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس لشأنا ، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم فتقول برأسها : نعم . قال قتادة : صار الشبان قردة ، والشيوخ خنازير ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم . وسيأتي في " الأعراف{[845]} " قول من قال : إنهم كانوا ثلاث فرق . وهو أصح من قول من قال : إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين . والله أعلم .
والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع ، فقيل : إن الأشياء سبتت وتمت خلقتها . وقيل : هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة .
واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين . قال الزجاج : قال قوم يجوز أن تكون هذه القردة منهم . واختاره القاضي أبو بكر بن العربي . وقال الجمهور : الممسوخ لا ينسل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك ، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل ، لأنه قد أصابهم السخط والعذاب ، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام . قال ابن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل . قال ابن عطية : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام .
قلت : هذا هو الصحيح من القولين . وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم : ( فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ، ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه ، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ) . رواه أبو هريرة أخرجه مسلم ، وبحديث الضب رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر ، قال جابر : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه ، وقال : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) فمتأول على ما يأتي . قال ابن العربي : وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال : رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم . ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها ، وثبت في نص الحديث " قد زنت " وسقط هذا اللفظ عند بعضهم . قال ابن العربي : فإن قيل : وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو ؟ قلنا : نعم كذلك كان ، لأن اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم{[846]} حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه ، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم{[847]} ، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ويحصي ما يبدلون وما يغيرون ، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام وهم لا ينصرون .
قلت : هذا كلامه في الأحكام ، ولا حجة في شيء منه . وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين : حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم . كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه ، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها ، فذكر في كتاب أيام الجاهلية . وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة ، ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري . والذي قال البخاري في التاريخ الكبير : قال نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية فردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم . وليس فيه " قد زنت " . فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية . وذكر أبو عمر في الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبدالله " معدود في كبار التابعين من الكوفيين ، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك ، لأن رواته مجهولون . وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال : رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعني القردة - فرجمتها معهم . ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا . وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان ، وليسا ممن يحتج بهما . وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف ، وإقامة الحدود في البهائم . ولو صح لكانوا من الجن ، لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما " . وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة : ( ولا أراها إلا الفأر ) وفي الضب : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) وما كان مثله ، فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا ، فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف ، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ ، وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير : هي مما مسخ ؟ فقال : ( إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ) . وهذا نص صريح صحيح رواه عبدالله بن مسعود أخرجه مسلم في كتاب القدر . وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر ، فدل على صحة ما ذكرنا . وبالله توفيقنا . وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط ، وردت أفهامهم كأفهام القردة . ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم ، والله أعلم .
قوله تعالى : " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " " قردة " خبر كان . " خاسئين " نعت ، وإن شئت جعلته خبرا ثانيا لكان ، أوحالا من الضمير في " كونوا " . ومعناه مبعدين . يقال : خسأته فخسأ وخسئ ، وانخسأ أي أبعدته فبعد . وقوله تعالى : " ينقلب إليك البصر خاسئا{[848]} " [ الملك : 4 ] أي مبعدا . وقوله : " اخسؤوا فيها{[849]} " [ المؤمنون : 108 ] أي تباعدوا . تباعد سخط . قال الكسائي : خسأ الرجل خسوءا ، وخسأته خسأ . ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء . يقال : قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا ، وهو الصاغر الذليل . وأقمأته : صغرته وذللته ، فهو قميء على فعيل .
قوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) ذلك خطاب من الله لليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم بقصة العدوان والتحدي اللذين مارسهما آباؤهم من بني إسرائيل يوم تحيلوا على دينهم بطريقة مفضوحة تقوم على الكذب والخديعة فاصطادوا السمك والحيتان يوم السبت ، وقوله سبحانه : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم يوم السبت ) ولم يقل عرفتم ، فإن المعرفة متعلقة بذات الإنسان وعينه لكن العلم متعلق بأوصافه وأحواله . فاليهود الذين عاصروا النبي عليه السلام يعلمون عن حال آبائهم وأجدادهم من بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت .
والمعلوم أن السبت لدى اليهود هو يوم عبادة ينقطعون فيه عن جميع الأعمال والممارسات سوى العبادة وما لها من مقتضيات ، فأحست الأسماك والحيتان بغريزتها أن هذا اليوم بات يوم أمن وسلام لها ، فلا يصيبها فيه أذى أو اعتداء ، فكانت بذلك تفيض صوب الشاطىء بأعداد كثيفة كاثرة مما ألهب في نفوس بني إسرائيل غريزة الطمع وجمع المال فجعلوا يصنعون الحفر والحبائل والبرك لتلجأ إليها الأسماك يوم السبت دون أن تتمكن بعد ذلك من الخروج أو التخلص فتظل حبيسة محشورة على هذه الحال إلى أن ينقضي السبت ، ثم تأتي جماعات يهود فتأخذ ما وقع من هذه الأسماك والحيتان متذرعين بأنهمن أخذوها الأحد ، وتلك طريقة المعتدين الخونة الذين ألهبهم الطمع واستفز أعصابهم ونفوسهم لتجهد لاهثة وراء المال والحطام الزائل ، وقد كان ذلك من خلال أسباب خسيسة في الاحتيال والغش والخداع الأثيم .
وقوله : ( السبت ) وهو مفرد مصدر جمعه أسبت وسبوت ، ومعناه : الراحة والقطع ، والانقطاع عن المعيشة والاكتساب ، {[73]} ليتسنى لهم أن يعبدوا الله غير منشغلين بما يعيق .
وقوله : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) كان ذلك جزاء لهم على فعلتهم الماكرة بالتحايل على أوامر الله بأسلوب رخيص ينم على سوء في النية وفساد في الطبع والسجية ، فقد أمر الله بقدرته المطلقة التي تتحقق فيما بين الكاف والنون ( كن ) أن يتحول هذا الفريق الفاسد المتجاوز المحتال الى قردة ، لكن هل انقلبوا إلى قردة من حيث الحكم والمعنى أو من حيث الحقيقة والصورة فوق الحكم والمعنى .
ثمة قولان في هذه المسألة أحدهما : أن الذين اعتدوا في السبت قد نسخ الله نفوسهم وطبائعهم فحولها من هذه الناحية إلى ما يشبه القردة من حيث الطبائع والنفوس من غير أن يؤثر ذلك على ظاهر الخلقة في شكلها الآدمي .
والقول الثاني : أن الله قد مسخهم إلى قردة من حيث الحقيقة والصورة والمعنى فاستحالوا بذلك إلى قردة حقيقيين لا يفرقهم عنهم أي فارق ، لا في الصورة ولا في المعنى وذلك ما ذهب إليه أكثر العلماء وهو الذي نرجحه أخذا بظاهر الآية الحقيقي ، إذ لا تعويل على المجاز ما دامت الحقيقة للتعبير القرآني بارزة ومكشوفة والله تعالى أعلم .
على أن الأخذ بالقول الثاني يغني عن الأول أو هو يشمله فظاهر الآية يدل على تحويل هؤلاء المعتدين إلى قردة ، وذلك من حيث الحقيقة والصورة ، وكذلك من حيث المعنى وهو قد بات مندرجا في تركيبة القرود ، ذلك أن من تحصيل الحاصل أن نقول أن القرد ينطوي على خلقة شكلية ومعنوية واضحة ومفهومة ، وبعبارة أخرى فإن من المستحيل أن نتصور قردا في طبع يختلف عن طبائع القرود ، فما دام هؤلاء قد تحولوا إلى قردة ، فإن عملية التحويل باتت كاملة تماما ليكونوا قردة حقيقيين ، وذلك من حيث الصورة والمعنى كلاهما .
وقوله : ( خاسئين ( أي مبعدين منزجرين ، من الفعل خسأ وانخسأ أي بعد وطرد وانزجر والخاسىء هو القميىء الصاغر المطرود الذي لا يترك فيدنو من طارده . {[74]}
ومثل ذلك قوله تعالى : ( قال اخشوا فيها ولا تكلمون ( يقال ذلك لأهل النار الذين يتصايحون راجين فيقال لهم : ( اخشوا ( أي امكثوا مبعدين صاغرين مطرودين .