فلما انقضت مدة حبسهم وخرجوا من التيه قال الله تعالى لهم { ادخلوا هذه القرية } وهي أريحا { وادخلوا الباب } يعني بابا من أبوابها { سجدا } منحنين متواضعين { وقولوا حطة } وذلك أنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى عليه السلام دخول القرية ، فأراد الله تعالى أن يغفرها لهم فقال لهم قولوا حطة آي مسألتنا حطة وهو أن تحط عنا ذنوبنا { وسنزيد المحسنين } الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا .
الأولى : قوله تعالى : " وإذ قلنا ادخلوا " حذفت الألف من " قلنا " لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه من يدخل .
الثانية : قوله تعالى : " هذه القرية " أي المدينة سميت بذلك ؛ لأنها تقرت أي اجتمعت ، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته ، واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف ) مقصور ، وكذلك ما قري به الضيف قال الجوهري : والمقراة للحوض ، والقري لمسيل الماء ، والقرا للظهر ومنه قوله{[785]} :
والمقاري : الجفان الكبار . قال :
عظامُ المقاري ضيفهم لا يُفَزَّعُ
وواحد المقاري مقراة ، وكله بمعنى الجمع غير مهموز ، والقرية ( بكسر القاف ) لغة اليمن ، واختلف في تعيينها فقال الجمهور : هي بيت المقدس وقيل : أريحاء من بيت المقدس . قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك . ابن كيسان الشام : الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر . وهذه نعمة أخرى ، وهى أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه .
الثالثة : قوله تعالى : " فكلوا منها حيث شئتم " إباحة .
قوله تعالى : " رغدا " كثيرا واسعا ، وهو نعت لمصدر محذوف أي أكلاً رغداً ، ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال " رغدا "
الرابعة : قوله تعالى : " وادخلوا الباب سجدا " الباب يجمع أبوابا وقد قالوا : أبوبة للازدواج قال الشاعر{[786]} :
هتَّاكُ أخْبِيَةٍ ولاَّج أبوبةٍ *** يخلط بالبر منه الجِدَّ واللِّينا
ولو أفرده لم يجز . ومثله قول عليه السلام : ( مرحبا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا ندامى ) وتبوبت بوابا اتخذته . وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة . وهذا شيء من بابتك أي يصلح لك . وقد تقدم معنى السجود{[787]} فلا معنى لإعادته والحمد لله .
والباب الذي أمروا بدخول هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب " باب حطه " عن مجاهد وغيره . وقيل : باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل و " سجدا " قال ابن عباس : منحنين ركوعا . وقيل : متواضعين خشوعا لا على هيئة متعينة .
الخامسة : قوله تعالى : " وقولوا " عطف على أدخلوا .
قوله تعالى : " حطة " بالرفع قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي مسألتنا حطة أو يكون حكاية . قال الأخفش : وقرئت " حطة " بالنصب على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة . قال النحاس : الحديث{[788]} عن ابن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه قيل لهم قولوا مغفرة - تفسير للنصب ، أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا ، والأئمة من القراء على الرفع . وهو أولى في اللغة لما حكي عن العرب في معنى بدل . قال أحمد بن يحيى : يقال بدلته ، أي غيرته ولم أزل عينه . وأبدلته أزلت عينه وشخصه كما قال :{[789]}
وقال الله عز وجل : " قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " [ يونس : 15 ] وحديث{[790]} ابن مسعود قالوا " حطة " تفسير على الرفع ، هذا كله قول النحاس وقال الحسن وعكرمة : " حطه " بمعنى حط ذنوبنا ، أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم . وقال ابن جبير : معناه الاستغفار أبان بن تغلب : التوبة قال الشاعر :
فاز بالحطة التي جعل الل *** ه بها ذنب عبده مغفورا
وقال ابن فارس في المجمل : " حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم ، وقاله الجوهري أيضا في الصحاح .
قلت : يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه ، وهو الظاهر من الحديث . روى مسلم عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قيل لبني إسرائيل أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة ) وأخرجه البخاري وقال : ( فبدلوا{[791]} وقالوا حطة حبة في شعرة ) في غير الصحيحين : " حنطة في شعر " وقيل : قالوا : هطا سمهاثا وهي لفظة عبرانية ، تفسيرها : حنطة حمراء ، حكاها ابن قتيبة ، وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد ، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمردوا واستهزؤوا فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب . وقال ابن زيد : كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا . وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم والله أعلم .
السادسة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها ، فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى ، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله ، وهو قول الجمهور . ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة . وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه . وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التاء والياء ونحو هذا ، وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيرونه . وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال : قال عمر بن الخطاب من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم . وروى نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم . وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ، فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ .
وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ، ولكن أكثر العلماء على خلافه . والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها . وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم المعنى . وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى ، وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني . وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك . وقال سفيان الثوري رحمه الله : إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى . وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس . واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم ، وذلك هو النقل بالمعنى . وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلقة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء والزيادة والنقصان . وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى . احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب .
فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها ) وذكر الحديث . وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه : ( آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ) فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ونبيك الذي أرسلت ) قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال : ( فأداها كما سمعها ) قيل لهم : أما قوله ( فأداها كما سمعها ) فالمراد حكمها لا لفظها لأن اللفظ غير معتد به . ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله : ( فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة ، لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أدل على الجواز وأما رده عليه السلام الرجل من قوله : ( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع . ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي صلى الله عليه وسلم يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام ، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة . فلما قال : ( ونبيك ) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله : ( الذي أرسلت ) وأيضا فإن نقله من قوله : ( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) ليجمع بين النبوة والرسالة . ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله وهذا قتيل زيد الذي قتله لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول . وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أوفي وقعة كذا والله ولي التوفيق .
فإن قيل : إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها . قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا فإن عدمت لم يجز . قال ابن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق والله أعلم .
قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ؛ ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل . نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم .
السابعة : قوله تعالى : " نغفر لكم خطاياكم " قراءة نافع بالياء مع ضمها وابن عامر بالتاء مع ضمها وهي قراءة مجاهد وقرأها الباقون بالنون مع نصبها وهي أبينها لأن قبلها " وإذ قلنا ادخلوا " فجرى " نغفر " على الأخبار عن الله تعالى ، والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ، ولأن بعده " وسنزيد " بالنون . و " خطاياكم " اتباعا للسواد وأنه على بابه . ووجه من قرأ بالتاء أنه أثبت لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع خطيئة على التكسير . ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " [ البقرة : 37 ] وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله " وإذ قلنا " لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة .
الثامنة : واختلف في أصل خطايا جمع خطية بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا أن يقول : خطايئ ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول : خطائىء ولا تجتمع همزتان في كلمة ، فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ثم عملت كما عملت في الأول . وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همزة كما تقول : هدية وهدايا . قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت خطاءا وقال الكسائي : لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دواب .
التاسعة : قوله تعالى : " وسنزيد المحسنين " أي في إحسان من لم يعبد العجل . ويقال : يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد . ويقال : يغفر خطايا من هو عاص وسيزيد في إحسان من هو محسن أي نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم . وهو اسم فاعل من أحسن . والمحسن من صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره . وفي حديث جبريل عليه السلام : ( ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت . . . ) وذكر الحديث . خرجه مسلم .
قوله تعالى : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ( .
بعد أن من الله على قوم موسى فأذهب عنهم محنة الضياع في التيه حيث الحيرة والتلجلج والاضطراب بعد ذلك أمرهم الله أن يدخلوا ( هذه القرية ( والقرية من الفعل قرى يقري أي جمع يجمع ، نقول قرى الماء في الحوض أي جمعه فيه ، والمقراة مكان يجتمع فيه الماء وجمعها مقاري وهي الجفان الكبار ومفردها جفنة وهي وعاء واسع لاستيعاب الماء .
وتطلق القرية ويراد بها المدينة ، وقد سميت بالقرية ، لأنها مكان يجتمع فيه الناس ، مثلما نقول قرية النمل مكان اجتماعها ، والقارية الحاضرة الجامعة . {[65]}
على أن المقصود بالقرية هنا موضع خلاف المفسرين ، فقد قيل إنها أريحا وقيل : هي مصر ، وفي قول ثالث : إنها بيت المقدس ، وهو ما يميل إليه أكثر العلماء ، وسواء كان المقصود هذه المدينة أو غيرها من المدن فإن مثل هذا الأمر يعتبر في حكم المنطق والشريعة قد مضى وانقضى ، فهو ليس جزءا من عقيدة التوحيد لا يقبل التغيير أو التطوير ولا هو قاعدة ثابتة في السلوك والأخلاق التي تعتمد القيم الراسخة الأصيلة والتي تظل على الدوام مستقرة لا تتحول . ليس هذا الأمر على شيء من ذلك ولكنه أمر مرحلي قابل للتغيير والتبديل وهو كذلك قابل للتحوير والتطوير بما تقتضيه ملابسات المجتمع ومقتضيات الأعراف والأوضاع والشرائع ، فإذا ما خول الله بني إسرائيل أن يدخلوا القدس في غابر الزمان تحت قيادة منقذهم موسى عليه السلام ، أو يوشع بن نون من بعده فإن مثل هذه المسألة ليس إلا أمرا مرحليا اقتضته ظروف معينة ، وتلك مرحلة من تاريخ بني إسرائيل ليس لها أن تتكرر بالضرورة ، لا بحكم المنطق السليم ، ولا بحكم النبوة الصادقة ، ولا بحكم الدين إذا لم يتخلله تحريف أو خلط أو تزييف ، إنه ليس لهذه المرحلة من تاريخ بني إسرائيل أن تتكرر لمجرد أنها حدثت مرة من زمان ، لأن حدوثها ما كان إلا تنفيذا لأمر من أوامر مرحلية يمكن أن يقع عليها التبديل أو النسخ لتصبح أثرا مسطورا في الكتب من غير مفعول أو تأثير ، فإن من الأولى أن تتغير مثل هذه الأوامر المرحلية التي لا ترتبط بالعقيدة أدنى ارتباط خصوصا إذا علمنا أن ديانة السماء لا تقوم على التعصب للعرق أو الجنس ، كليلا يدعي أحد وهو يتصور تصور الواهمين الحالمين ، أنه ذو انتماء لشعب مفضل مختار خير من شعوب الأرض طرا ، ذلك تصور خاطىء واهم ، وأصدق ما يجيء في هذه المسألة من عدم الاعتداد بالآباء والأجداد الذين مضوا إلى غير رجعة ما قاله الله بني إسرائيل : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) .
قوله : ( فكلوا منها حيث شئتم ) كلوا جملة فعلية تتألف من فعل وفاعله ، حيث ظرف مكان مبني على الضم مضاف إلى الجملة الفعلية بعده ، رغدا اسم مصدر منصوب نائب عن المفعول المطلق ( أكلا ) والرغد الرزق الكثير الواسع .
قوله : ( وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ( أمرهم الله لدى وصولهم المدينة أن يدخلوها سجدا ، والمقصود بالسجود هنا يحتمل أحد معنيين وهما : الركوع ، فعلا ، أو الخشوع الوجداني الغامر الذي يقترن بالتواضع عند الدخول ، وكلا الاحتمالين جيد وإن كنت أرجح الأول وهو أنهم أمروا أن يدخلوا باب المدينة ركعا وذلك على سبيل الأخذ بالظاهر والاعتماد على مفهوم السجود الذي يراد به هنا الانثناء على هيئة الركوع .
وفوق أمرهم بالدخول سجدا ، أمرهم الله أن يشفعوا ذلك بقولهم : ( حطة ) وهي خبر مرفوع لمبتدأ محذوف وتقديره : مسألتنا حطة ، وقد اختلف أهل التأويل في المراد بهذه الكلمة ، ويمكن أن نستخلص قولين في المراد بها ، أحدهما : أن الله عز وجل قد تعبد بني إسرائيل بحرفية هذه الكلمة ليغفر لهم خطاياهم ، فإنهم بذلك مأمورون أن يعبدوا ربهم بقولهم حطة ، ليكفر الله عنهم مات اقترفوه من المعاصي والذنوب وهم يخالفون عن أمر نبيهم موسى وأمر ربهم ذي الفضل والمنة عليهم .
ثانيهما : أن كلمة حطة تعني احطط عنا الذنوب فهي بذلك منصوبة باعتبارها اسم مصدر ، وفي تقديرنا أن القول الأول أقرب للصواب ، ذلك أن الله سبحانه قد تعبدهم بقولهم هذه الكلمة ليغفر لهم خطاياهم لولا أنهم بدلوا تبديلا ، ويعزز هذا القول ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم ، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاهم وقالوا : حبة في شعرة .
وأخرجه البخاري بلفظ آخر وقال : " فبدلوا وقالوا : حطة حبة في شعرة " {[66]} وقد ورد مثل هذا الحديث في غير البخاري ومسلم بلفظ : " حنطة في شعر " وذلك كله على سبيل السخرية والاستهزاء فكتبت عليهم خطيئة مضافة إلى خطاياهم التي قد حفل بها سجل أعمالهم من حيث التمرد والفسق عن أمر الله .
وقوله : ( وسنزيد المحسنين ) وعد الله بالتفكير عن سيئات العاصين الذين خالفوا عن أمر الله بعد أن يقولوا حطة ، وأنه سبحانه سيزيد في إحسان من ظل منهم مستقيما ، فلم يعبد العجل وصان نفسه ولسانه عن الخطايا والذنوب .