{ قل } أي للكفار { إن كنتم تحبون الله } وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم يسجدون للأصنام فقال يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم ، فقالت قريش إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله ، فأنزل الله تعالى { قل } يا محمد { إن كنتم تحبون الله } وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه { فاتبعوني يحببكم الله } فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم . ومعنى محبة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره ومعنى محبة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه .
الحُب : المحبة ، وكذلك الحب بالكسر . والحب أيضا الحبيب ، مثل الخِدن والخَدين ، يقال أحبه فهو محب ، وحبه يحبه ( بالكسر ) فهو محبوب . قال الجوهري : وهذا شاذ ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر . قال أبو الفتح : والأصل فيه حَبُب كظرف ، فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية . قال ابن الدهان سعيد : في حَبّ لغتان : حَبّ وأحَبّ ، وأصل " حب " في هذا البناء حَبُب كظرُف ، يدل على ذلك قولهم : حَبُبْت ، وأكثر ما ورد فعيل من فعل . قال أبو الفتح : والدلالة على أحب قوله تعالى : " يحبهم ويحبونه " [ المائدة : 54 ] بضم الياء . و " اتبعوني يحببكم الله " [ آل عمران : 31 ] و " حَبّ " يرد على فعل لقولهم حبيب . وعلى فعل كقولهم محبوب : ولم يرد اسم الفاعل من حب المتعدي ، فلا يقال : أنا حاب . ولم يرد اسم المفعول من أفعل إلا قليلا ، كقوله :
مني بمنزلةِ المحَبِّ المكرم{[3001]}
وحكى أبو زيد : حببته أحبه . وأنشد :
فوالله لولا تَمْرُه ما حَبَبْتُه *** ولا كان أدنَى من عُويْف وهاشم
لعمرك إنني وطلابَ مِصْرٍ *** لكَالْمُزْدَادِ ممّا حَبّ بُعْدَا
وحكى الأصمعي فتح حرف المضارعة مع الياء وحدها . والحُبّ الخابية ، فارسي معرب ، والجمع حِباب وحِبَبَة . حكاه الجوهري . والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل . قاله محمد بن جعفر بن الزبير . وقال الحسن وابن جريج : نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا : نحن الذين نحب ربنا . وروي أن المسلمين قالوا : يا رسول الله ، والله إنا لنحب ربنا ، فأنزل الله عز وجل : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني " . قال ابن عرفة : المحبة عند العرب إرادة{[3002]} الشيء على قصد له . وقال الأزهري : محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما ، قال الله تعالى : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني " . ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران ، قال الله تعالى : " إن الله لا يحب الكافرين " [ آل عمران : 32 ] أي لا يغفر لهم . وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه ، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة . وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " قال : ( على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس ) خرجه أبو عبد الله الترمذي . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألا يؤذي جاره ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ) . وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة " مريم " {[3003]} إن شاء الله تعالى . وقرأ أبو رجاء العطاردي ( فاتبعوني ){[3004]} بفتح الباء ، " ويغفر لكم " عطف على " يحببكم " . وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من " يغفر " في اللام من " لكم " . قال النحاس : لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام ، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا ، ولعله كان يخفي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة .
قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن أقواما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زعموا أنهم يحبون الله فقالوا : يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وروي عن ابن عباس أن اليهود لما قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه أنزل الله تعالى هذه الآية ، فلما نزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود فأبوا أن يقبلوها{[449]} .
وقيل غير ذلك من الأقوال بما هو شبيه بما ذكر .
وبيان ذلك أنه لا ينبغي التعويل على مجرد الحب لله من غير امتثال لأمره وانتهاء عن زواجره ، وإنما الحب الصادق السليم أن تقترن محبة الله بالانقياد لشرعه والامتثال لأمره كله بعيدا عن زيغ القلوب وانحرافها صوب الهوى ، وأيما حب كهذا لا جرم أن لا يكون صحيحا أو مقبولا ، وكما قيل : ليس الشأن أن تحب الله وإنما الشأن أن يحبك الله ، فإنه ربما حسب المرء أنه محب لله وهو في الحقيقة بعيد عن حب الله له ؛ لأن محبة الله للعبد لا تتحقق إلا من خلال الالتزام الأوفى بتعاليم الإسلام كله من غير تقصير ولا تفريط ولا تنطع ولا شطط . ويمكن إجمال ذلك في أمرين .
الأمر الأول : أن يحب المرء ربع مع الامتثال لأمره الذي بينه وشرعه للناس ما بين أوامر وزواجر ، أما دعوى الحب لله في معزل عن الامتثال والتطبيق فإنه لا يغني صاحبه شيئا ، بل إنه مجرد أخلاط من المشاعر الجياشة السلبية التي لا تنفع ولا تنجي من سخط الله وعذابه . ومثل هذه الظاهرة ، كثيرا ما يتشبث بها فريق من الناس إذ يحسبون أنهم بمفازة من عذاب الله وأنهم محظوظون برضوان الله مادموا يكنون لربهم الحب مجردا من كل عمل أو امتثال ، لا جرم أن ذلك زعم خاطئ واهم لا يزحزح عن قائليه المساءلة يوم القيامة وعسير الحساب .
الأمر الثاني : ثمة ضرب من الحب المريب يخالج الإنسان في حسه وشعوره بعد أن خالط ذهنه الوهم فبات في تصوره وظنه وسلوكه يهذي هذيان الشاطح الحالم . ذلك صنف من الأناسي غرتهم أمانيهم وأحلامهم الواهمة فانفتلوا بأنفسهم عن حقيقة الحب المنسجم فانساحوا ذاهلين مضللين بعد أن خدعتهم عقولهم التائهة وقلوبهم التي غشيها الزيغ والخلل . إن هذا الصنف من الناس خاطئ وجهول وهو يحسب أنه على شيء يحسب أنه محب لله وأنه مع لفيفه من زمرة الهائمين الحالمين البلهاء يحظون بمحبة الله دون غيرهم ، لا جرم أن ذلك ضرب من الهوس الوجداني المنفوش الذي يفضي إلى اشتداد في الهيام والتهاب في المشاعر المصطنعة من غير روية ولا تبصر ، المشاعر الهائمة المشبوبة التي لا يسعفها الفكر النير ولا المعرفة الحقيقية الواعية لأمور هذا الدين المتكامل المتسق ، الدين الذي تأتلف في خضمه كل مناحي الحياة والسلوك ما بين سياسة واقتصاد واجتماع وجندية ومعاملات ، فضلا عن جمال الزهد وصلابة العقيدة وروعة الحب الغامر لله وحده . في ذلك يقول عز من قائل : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) وعلى هذا فإن من ادعى أنه محب لله وهو ليس على طريق الله وعلى نهج النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كاذب مخادع ، أو أنه مضلل تائه مخدوع حتى يؤوب إلى الله في شرعه ومنهاجه ويمتثل في عامة أقواله وأفعاله وسلوكه لتعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة ، وإذ ذاك يحظى بحب الله له وبغفرانه ورحمته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.