{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } نزلت ترخيصا للمظلوم أن يجهر بشكوى الظالم وذلك أن ضيفا نزل بقوم فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت هذه الآية
149 153 رخصة في أن يشكوا وقوله { إلا من ظلم } لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء من القول وله ذلك { وكان الله سميعا } لقول المظلوم { عليما } بما يضمره أي فليقل الحق ولا يتعد ما أذن له فيه
الأولى : قوله تعالى : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول " وتم الكلام . ثم قال عز وجل : " إلا من ظلم " استثناء ليس من الأول في موضع نصب ؛ أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان . ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم . وقراءة الجمهور " ظلم " بضم الظاء وكسر اللام ، ويجوز إسكانها . ومن قرأ " ظلم " بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي ، فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة . فعلى القراءة الأولى قالت طائفة : المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به . ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك ، فقال الحسن : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع{[5084]} عليه ، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه ، اللهم استخرج حقي ، اللهم حل{[5085]} بينه وبين ما يريد من ظلمي . فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء . وقال ابن عباس وغيره : المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه ، وإن صبر فهو خير له ، فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم . وقال أيضا هو والسدي : لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول . وقال ابن المستنير : " إلا من ظلم " معناه ، إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح . والآية على هذا في الإكراه ؛ وكذا قال قطرب : " إلا من ظلم " يريد المكره ؛ لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر . قال : ويجوز أن يكون المعنى " إلا من ظلم " على البدل ، كأنه قال : لا يحب الله إلا من ظلم ، أي لا يحب الله الظالم ؛ فكأنه يقول : يحب من ظلم أي يأجر من ظلم . والتقدير على هذا القول : لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم ، على البدل . وقال مجاهد : نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه . قال ابن جريج عن مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت " إلا من ظلم " ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد . قال : نزلت هذه الآية " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه : إنه لم يحسن ضيافته . وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية ، قالوا : لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها ، وهو قول الليث بن سعد . والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في " هود " {[5086]} والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - وإن كان مؤمنا كما قال الحسن ، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا ، وقد تقدم في " البقرة " {[5087]} . وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) وقال : ( اللهم عليك بفلان وفلان ) سماهم . وإن كان مجاهرا بالظلم دُعِيَ{[5088]} عليه جهرا ، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم . وقد روى أبو داود عن عائشة قال : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه{[5089]} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبخي عنه ) أي{[5090]} لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه . وروى أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لي الواجد{[5091]} ظلم يحل عرضه وعقوبته ) . قال ابن المبارك : يحل عرضه يغلظ له ، وعقوبته يحبس له{[5092]} . وفي صحيح مسلم ( مطل الغني ظلم ) . فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم ، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك ؛ حكي معناه عن سفيان ، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما .
الثانية : وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبدالرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن . الحديث . ولم يرد عليه واحد منهم ؛ لأنها كانت حكومة ، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه ، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب ؛ قاله ابن العربي . وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل{[5093]} على الفضلاء ، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار . ووجه آخر : وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة ! فإن العم صنو{[5094]} الأب ، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه ، لا أنه موصوف بتلك الأمور ؛ ثم أنضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية ، فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز ، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور ، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه . أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما .
الثالثة : فأما من قرأ " ظلم " بالفتح في الظاء واللام - وهي ، قراءة زيد بن أسلم ، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي ، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب - فالمعنى : إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول ؛ في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه . المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق : ألست نافقت ؟ إلا من ظلم ، أي أقام على النفاق ؛ ودل على هذا قوله تعالى : " إلا الذين تابوا " . قال ابن زيد : وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول ، ثم قال لهم بعد ذلك : " ما يفعل الله بعذابكم " [ النساء : 147 ] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان . ثم قال للمؤمنين : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " في إقامته على النفاق ، فإنه يقال له : ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار ؟ ونحو هذا من القول . وقال قوم : معنى الكلام : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ، ثم استثنى استثناء منقطعا ، أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك . قلت : وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم ، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم . وقال أبو إسحاق الزجاج : يجوز أن يكون المعنى " إلا من ظلم " فقال سوءا ، فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه ؛ ويكون الاستثناء ليس من الأول .
قلت : ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام : ( خذوا على أيدي سفهائكم ) . وقوله : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : ( تكفه عن الظلم ) . وقال الفراء : " إلا من ظلم " يعني ولا من ظلم .
قوله تعالى : " وكان الله سميعا عليما " تحذير للظالم حتى لا يظلم ، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار .
قوله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) الجهر بالشيء يعني الإعلان به والإظهار له . جهر بالقول أي رفع صوته به . والتقدير : لا يحب الله أن يعلن أحد بالسوء من القول إلا جهر من ظلم . وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره . بما فيه من السوء . فإن من مكارم أخلاق المسلم ألا يجهر أمام الناس بالسوء من القول ، لكنه إن كان مظلوما فلا جناح عليه حينئذ أن يكشف عما حاق به من ظلم في مجاهرة مسموعة . على أن جمهرة كبيرة من المفسرين يذهبون إلى أن المراد بالسوء من القول هو الدعاء . إذ لا يحب الله للمؤمن أن يعجل فيدعو على غيره إلا أن يظلمه فإن ظلمه فله أن يجهر بالدعاء عليه . وفي المعنى أخرج أبو داود عن عائشة قالت : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال رسول الله ( ص ) : " لا تسبخي عنه " والتسبيخ هو التخفيف والمراد بالحديث ألا تخفف من عقوبة السارق بدعائها عليه .
وقال الحسن البصري في معنى الآية : لا يدعو عليه وليقل اللهم أعنّي عليه وأستخرج حقي منه . وروي عنه أيضا جواز الدعاء من المظلوم على من ظلمه ، فالسوء من القول هو الدعاء على من يظلم الناس .
وذهب بعض العلماء إلى إدراج حق الضيافة في مدلول الآية باعتبار أن الضيف له حق الضيافة عند مضيفه ، فإن على المضيف أن يُقري ضيفه ، ويتحفه بالتكريم والعناية وإذا لم يؤد له هذا الحق بات الضيف مظلوما وله عند ذلك أن يجهر بالتشهير بمثل هذا الظلم ، وذلك من باب الجهر بالسوء من القول ، وقيل غير ذلك{[849]} .
وجملة القول أن يتسامى المؤمن عن القول السيئ في كل الظروف والأحوال إلا أن يكون مظلوما ، فإن كان كذلك فله أن يجهر بالكشف عن ظلمه وعما حاق به من ظلامة . يؤيد ذلك قوله في آية أخرى : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) .
وقوله : ( وكان الله سميعا عليما ) ذلك تخويف لمن يحتمل للناس ظلما ولمن يتجاوز في الجهر بالسوء من القول إذا ما وقع عليه ظلم . أي أن ذلك تحذير للظالم كيلا يظلم ، وللمظلوم كيلا يتعدى الحد في الانتصار لنفسه .