مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (28)

ثم قال تعالى : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة } القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى ، أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله حيث قالوا { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } وقالوا { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وفي إعراب الآية وجوه ( الأول ) قال صاحب «الكشاف » : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف ( والثاني ) آلهة وقربانا حال ، وقيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظا ، والحال مشعر بتمام الكلام ، ولا شك أن إتيان الحال بين المفعولين على خلاف الأصل ( الثاني ) قال بعضهم { قربانا } مفعول ثان قدم على المفعول الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين ( والثالث ) قال بعض المحققين : يضمر أحد مفعولي اتخذوا وهو الراجع إلى الذين ، ويجعل قربانا مفعولا ثانيا ، وآلهة عطف بيان ، إذا عرفت الكلام في الإعراب ، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم الله هلا نصرهم الذين عبدوهم ، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى الله ليشفعوا لهم { بل ضلوا عنهم } أي غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر ممتنع .

ثم قال تعالى : { وذلك إفكهم } أي وذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب في إثبات الشركاء له ، قال صاحب «الكشاف » : وقرئ { إفكهم } والإفك والأفك كالحذر والحذر ، وقرئ { وذلك إفكهم } بفتح الفاء والكاف ، أي ذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق ، وقرئ { إفكهم } على التشديد للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أي قولهم الإفك ، أي ذو الإفك كما تقول قول كاذب .

ثم قال : { وما كانوا يفترون } والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم في إثبات الشركاء لله تعالى ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (28)

{ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ } فهلا منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه { الذين اتخذوا } أي آلهتهم الذين اتخذوهم .

{ مِن دُونِ الله قُرْبَاناً ءالِهَةَ } والضمير الذي قدرناه عائداً هو المفعول الأول لاتخذوا و { ءالِهَةً } هو المفعول الثاني و { قُرْبَاناً } بمعنى متقرباً بها حال أي اتخذوهم آلهة من دون الله حال كونها متقرباً بها إلى الله عز وجل حيث كانوا يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] و { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] وفي الكلام تهكم بهم .

وأجاز الحوفي كون { قُرْبَاناً } مفعولاً من أجله ، وأجاز هو أيضاً . وابن عطية . ومكي . وأبو البقاء كونه المفعول الثاني لاتخذوا وجعل { ءالِهَةً } بدلاً منه ، وقال في «الكشاف » : لا يصح ذلك لفساد المعنى ، ونقل عنه في بيانه أنه لا يصح أن يقال : تقربوا بها من دون الله لأن الله تعالى لا يتقرب به ، وأراد كما في «الكشف » أنه إذا جعل مفعولاً ثانياً يكون المعنى فلولا نصرهم الذين اتخذوهم قرباناً بدل الله تعالى أو متجاوزين عن أخذه تعالى قرباناً إليهم وهو معنى فاسد . واعترض عليه بجعل { دُونِ } بمعنى قدام كما قيل به في قوله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } [ البقرة : 23 ] وبأنه قد قيل : إن قرباناً مفعول له فهو غير مختص بالمتقرب به ، وجاز أن يطلق على المتقرب إليه وحينئذ يلتئم الكلام . وأجيب عن الأول بأنه غير قادح لأنه مع نزارة استعمال دون بمعنى قدام لا يصلح ظرف الاتخاذ لأنه ليس بين يدي الله تعالى وإنما التقرب بين يديه تعالى ولأجله سبحانه ، واتخاذهم قرباناً ليس التقرب به لأن معناه تعظيمهم بالعبادة ليشفعوا بين يدي الله عز وجل ويقربوهم إليه سبحانه ، فزمان الاتخاذ ليس زمان التقرب البتة ، وحينئذ إن كان مستقراً حالاً لزم ما لزم في الأول .

ولا يجوز أن يكون معمول { قُرْبَاناً } لأنه اسم جامد بمعنى ما يتقرب به فلا يصلح عاملاً كالقارورة وإن كان فيها معنى القراء ، وفيه نظر . وأجيب عن الثاني بأن الزمخشري بعد أن فسر القربان بما يتقرب به ذكر هذا الامتناع على أن قوله تعالى بعد . { بَلْ ضَلُّواْ } الخ ينادي على فساد ذلك أرفع النداء ، وقال بعضهم في امتناع كون { قُرْبَاناً } مفعولاً ثانياً و { ءالِهَةً } بدلاً منه : إن البدل وإن كان هو المقصود لكن لا بد في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه ولا صحة لقولهم : اتخذوهم من دون الله قرباناً أي ما يتقرب به لأن الله تعالى لا يتقرب به بل يتقرب إليه فلا يصح أنهم اتخذوهم قرباناً متجاوزين الله تعالى في ذلك ، وجنح بعضهم إلى أنه يصح أن يقال : الله تعالى يتقرب به أي برضاه تعالى والتوسل به جل وعلا .

وقال الطيبي . إن الزمخشري لم يرد بفساد المعنى إلا خلاف المعنى المقصود إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهة على زعمهم إلا أن يتقربوا بها إلى الله تعالى كما نطقت به الآيات فتأمل .

وقرئ { قُرْبَاناً } بضم الراء { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } أي غابوا عنهم ، وفيه تهكم بهم أيضاً كأن عدم نصرهم لغيبتهم أو ضاعوا عنهم أي ظهر ضياعهم عنهم بالكلية وقد امتنع نصرهم الذي كانوا يؤملونه امتناع نصر الغائب عن المنصور { وَذَلِكَ } أي ضلال آلهتهم عنهم { إِفْكِهِمْ } أي أثر إفكهم أي صرفهم عن الحق واتخاذهم إياها آلهة ونتيجة شركهم { وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي وأثر افترائهم وكذبهم على الله تعالى أو أثر ما كانوا يفترونه على الله عز وجل ، وقيل : ذلك إشارة إلى اتخاذ الأصنام آلهة أي ذلك الاتخاذ الذي أثره ضلال آلهتهم عنهم كذبهم وافتراؤهم أو والذي كانوا يفترونه وليس بذاك وإن لم يحوج إلى تقدير مضاف . وقرأ ابن عباس في رواية { إِفْكِهِمْ } بفتح الهمزة والإفك والأفك مصدران كالحذر والحذر . وقرأ ابن الزبير والصباح بن العلاء الأنصاري . وأبو عياض . وعكرمة . وحنظلة بن النعمان بن مرة . ومجاهد وهي رواية عن ابن عباس أيضاً { إِفْكِهِمْ } بثلاث فتحات على أن إفك فعل ماض وحينئذ الإشارة إلى الاتخاذ أي ذلك الاتخاذ صرفهم عن الحق ، { وَمَا كَانُواْ } قيل عطف على ذلك أو على الضمير المستتر وحسن للفصل أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي كذلك ، والجملة حينئذ معطوفة على الجملة قبلها .

وأبو عياض . وعكرمة أيضاً كذلك إلا أنهما شددا الفاء للتكثير ، وابن الزبير أيضاً . وابن عباس فيما ذكر ابن خالويه { إِفْكِهِمْ } بالمد فاحتمل أن يكون فاعل فالهمزة أصلية وأن يكون أفعل والهمزة للتعدية أي جعلهم يأفكون ؛ وجوز أن تكون للوجدان كأحمدته وأن يكون أفعل بمعنى فعل ، وحكى في «البحر » أنه قرئ { إِفْكِهِمْ } بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف وهي لغة في الإفك . وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب . وأبو الفضل الرازي { إِفْكِهِمْ } اسم فاعل من إفك أي وذلك الاتخاذ صارفهم عن الحق . وقرئ { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ مّمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والمعنى ذلك بعض ما يفترون من الإفك أي بعض أكاذيبهم المفتريات فالافك بمعنى الاختلاق فلا تغفل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (28)

فلما لم يؤمنوا أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ولم تنفعهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ولهذا قال هنا : { فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً } أي : يتقربون إليهم ويتألهونهم لرجاء نفعهم .

{ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } فلم يجيبوهم ولا دفعوا عنهم ، { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الكذب الذي يمنون به أنفسهم حيث يزعمون أنهم على الحق وأن أعمالهم ستنفعهم فضلت وبطلت .