قوله تعالى { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون }
اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمدا صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمدا مبطل ونحن محقون ، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، وكانوا كاذبين فيه ، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى . ونظير هذه الآية قوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } وقوله : { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب } .
المسألة الأولى : اعلم أن في الآية قولين :
القول الأول : أنها مختصة بالكفار ، لأن قوله : { من كان يريد الحياة الدنيا } يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق . لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر ، لأن قوله تعالى : { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } لا يليق إلا بالكفار ، فصار تقدير الآية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط ، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالبا لسعادات الآخرة ، كان حكمه كذا وكذا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا . وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر .
والقول الثاني : أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها .
والقول الثالث : أن المراد : اليهود والنصارى ؛ وهو منقول عن أنس .
والقول الرابع : وهو الذي اختاره القاضي أن المراد : من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها ، وعمل الخير قسمان : العبادات ، وإيصال المنفعة إلى الحيوان ، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار . فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا ، فإن بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين ، فكلها تكون من أعمال الخير . فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم . وأما العبادات : فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة ، فإذا لم يؤت بتلك النية ، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا ، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات .
وإذا عرفت هذا فنقول قوله : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر .
القول الثاني : وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم ، ونقول : إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة ، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته ، وهذا القول مشكل ، لأن قوله : { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } لا يليق بالمؤمن ، إلا إذا قلنا : المراد { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا أخبارا كثيرة في هذا الباب . روي أن الرسول عليه السلام قال : «تعوذوا بالله من جب الحزن قيل وما جب الحزن ؟ » قال عليه الصلاة والسلام : « واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون » وقال عليه الصلاة والسلام : « أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه » وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن ، فيقال له ما عملت فيه ؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك فيقول : وصلت الرحم وتصدقت ، فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك » قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } .
المسألة الثانية : المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا ، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات ، بل ليس لهم منها إلا النار .
واعلم أن العقل يدل عليه قطعا ، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ولأجل الرياء ، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا ، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة ، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة ، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزا عن وجدانها غير قادر على تحصيلها ، ومن أحب شيئا ثم حيل بينه وبين المطلوب فإنه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي ، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل ، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطا باطلا عديم الأثر .
{ مَن كَانَ يُرِيدُ } أي بأعماله الصالحة بحسب الظاهر { الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } أي ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن وكثرة الأموال والأولاد والرياسة وغير ذلك ، وإدخال { كَانَ } للدلالة على الاستمرار أي من يريد ذلك بحيث لا يكاد يريد الآخرة أصلاً { نُوَفّ إِلَيْهِمْ * أعمالهم * فِيهَا } أي نوصل إليهم أجور أعمالهم في الدنيا وافية ، فالكلام على حذف مضاف ، وقيل : الأعمال عبارة عن الأجور مجازاً ، وإليه يشير كلام شيخ الإسلام والأول أولى ، و { نُوَفّ } متضمن معنى نوصل ولذا عدي بإلى ، وإلا فهو مما يتعدى بنفسه ، وقيل : إنه مجاز عن ذلك ، وقرأ طلحة بن ميمون يوف بالياء ، وإسناد الفعل إلى الله تعالى ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما يوف بالياء مخففاً مضارع أوفى ، وقرىء توف بالتاء مبنياً للمفعول ، ورفع { أعمالهم } والفعل في كل ذلك مجزوم على أنه جواب الشرط كما انجزم في قوله سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ } [ الشورى : 20 ] وحكى الفراء أن { كَانَ } زائدة ولذا جزم الجواب ، وتعقبه أبو حيان بأنه لو كانت زائدة لكان فعل الشرط { يُرِيدُ } وكان يكون مجزوماً ، وأجيب بأنه يحتمل أنه أراد بكونها زائدة أنها غير لازمة في المعنى ، وقرأ الحسن نوفي بالتخفيف وإثبات الياء ، وذلك إما على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله :
ألم يأتيك والأنباء تنمي *** أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضياً من عدم جزم الجزاء وإما لأن الأداة لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في لفظ الجزاء البعيد فعملت في محله .
/ ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها ، والمشهور فيه عن النحاة مذهبان : كون الجزاء في نية التقديم . وكونه على تقدير الفاء والمبتدأ ، ويمكن أن يرد ذلك إلى هذا ، وليس هذا مخصوصاً فيما إذا كان الشرط كان على الصحيح لمجيئه في غيره كثيراً ، ومنه :
وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول : لا غائب مالي ولا حرم
{ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } أي لا ينقصون ، والظاهر أن الضمير المجرور للحياة الدنيا وقيل : الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكراراً بلا فائدة ، وردّ بأن فائدته إفادته من أول الأمر أن عدم البخس ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق على أنه لا يجوز أن يكون للتأكيد ولا ضرر فيه ، وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق ، ولذلك قال الراغب : هو نقص الشيء على سبيل الظلم مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل من كونها مستوجبة لذلك كما قال بعض المحققين بناءاً للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً لكن ينبغي أن يعلم أن هذا ليس على إطلاقه بل الأمر دائر على المشيئة الجارية على قضية الحكمة كما نطق به قوله سبحانه :
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نسخت الآية التي نحن فيها ، وأنت تعلم أنه لا نسخ في الأخبار ، ولعل هذا إن صح محمول على المسامحة .
( ومن باب الإشارة ) : { مَن كَانَ يُرِيدُ } بعمله الذي هو بظاهره من أعمال الآخرة { قَالُواْ لَن } كالجاه والمدح { نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ } أي جزاءها فيها إن شئنا { وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } [ هود : 15 ] أي لا ينقصون شيئاً منها