مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

قوله تعالى { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى : { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء } وقوله : { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما } وقوله : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } .

واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد مجمل . فالأول : أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله : { يتلوه } القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية .

أما الأول : وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ؟ فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية : { أولئك يؤمنون به } وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في { يتلوه } يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى .

واعلم أن كون كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و{ إماما } نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة ؛ أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها : شهادة القرآن بصحته ، وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر .

فالقول الأول : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله : { يتلوه } هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوها : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ، ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله : { ويتلوه شاهد منه } قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله : { منه } أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله : { ويتلوه } القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ، ولا ساحر ، ولا كذاب ، والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم .

القول الثاني : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة القرآن { ويتلوه } أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى ، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد . فقال بعضهم : إنه محمد عليه السلام ، وقال آخرون : بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعا على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله ، وقوله : { شاهد منه } أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به . وثالثها : قال الفراء : { ويتلوه شاهد منه } يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله ، والمعنى أنه يتلوه في التصديق ، وتقريره : أنه تعالى ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ، وأمر بالإيمان به .

واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم .

واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماما ورحمة ، ومعنى كونه إماما أنه كان مقتدى العالمين ، وإماما لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع ، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين ، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سببا للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقا لاسم المسبب على السبب .

ثم قال تعالى : { أولئك يؤمنون به } والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون .

واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة ، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد . وهذا القسم الثاني على قسمين ، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام ، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات ، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق ، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة ، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته ، وكان البرهان اليقيني قائما على صحته ، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية ، وقوله : { ويتلوه شاهد منه } إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام ، وقوله : { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام ، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه .

ثم قال تعالى : { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } والمراد من الأحزاب أصناف الكفار ، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس . روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار » قال أبو موسى : فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ، فوجدت الله تعالى يقول : { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } وقال بعضهم : لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده .

ثم قال تعالى : { فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك } ففيه قولان : الأول : فلا تك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلا من عند الله تعالى ، فكان متعلقا بما تقدم من قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } الثاني : فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار . وقرئ { مرية } بضم الميم .

ثم قال : { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } والتقدير : لما ظهر الحق ظهورا في الغاية ، فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا ، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره ، ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أولياً ، واقتصر عليه بعضهم بناءاً على أنه المناسب لما بعد ، وأصل البينة كما قيل : الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقاً ، وهاؤها للمبالغة ، أو النقل ، وهي وإن قيل : إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له ، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة ، والتنوين فيها هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن ، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه : { وَيَتْلُوهُ } أي يتبعه { شَاهِدٌ } عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو كما قال الحسين بن الفضل الإعجاز في نظمه ، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها فلا يستطيع أحد من الخلق جيلاً بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً . وكذا الضمير في { مِنْهُ } وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد ، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه .

وجوز أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الرب سبحانه ، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشهاد ، وعلى هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل ، وأمر التبعية فيها ظاهر ، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من المؤمنين .

وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قوله سبحانه الآتي : { أولئك } الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم ، وأيضاً إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين الفريقين المؤمنين . ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفسر أبو مسلم . وغيره البينة بالدليل العقلي ، والشاهد بالقرآن وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، ومن ابتدائية ، أو للقرآن فقد تقدم ذكره ، ومن حينئذٍ إما بيانية . وإما تبعيضية بناءاً على أن القرآن ليس كله شاهداً وليس من التجريد على ما توهم الطيبي ، فيكون في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي . والسمعي ، ومعنى كون الثاني تابعاً للأول على ما قيل : إنه موافق له لا يخالفه أصلاً ، ومن هنا قالوا : إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي ، ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على شاهدين ، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية .

ودلالة الثاني ظنية غالباً للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها ، وقد يقال : إن التعبير عن الثاني بالشاهد لمكان التلو .

وعن ابن عباس . ومجاهد . والنخعي . والضحاك . وعكرمة . وأبي صالح . وسعيد بن جبير أن البينة القرآن ، والشاهد هو جبريل عليه السلام ويتول من التلاوة لا التلو ، وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه كما قال ابن حجر خاص بجبريل عليه السلام ، وضمير { مِنْهُ } كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو والضمير المنصوب للبينة ، وقيل : لمن كان عليها ، وعن الفراء أن الشاهد هو الإنجيل ، { وَيَتْلُوهُ } وضمير { مِنْهُ } على طرز ما روي عن مجاهد سوى أن ضمير يتلوه للقرآن .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أهل اللغة ذلك ؛ وكذا الملك من معانيه ، و يتلو حينئذٍ من التلاوة ، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة ، وضمير { مِنْهُ } للرسول صلى الله عليه وسلم بناءاً على أنه المراد بالموصول ، ومن تبعيضية ، وقيل : الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله .

وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن ، فقال له رجل : ما نزل فيك ؟ قال : أما تقرأ سورة هود { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد منه » ، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله ، وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أنا { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } علي » .

وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به بعض الشيعة في أن علياً كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهداً كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } [ الفتح : 8 ] والمراد { شاهدا } على الأمة كما يشهد له عطف { مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم ، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه ويكون بعد دل على أنه خليفته ، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح ، وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباءً عنه ، ويكذبه ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر .

وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . والطبراني في الأوسط عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال : قلت لأبي كرم الله تعالى وجهه : إن الناس يزعمون في قول الله تعالى : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } أنك أنت التالي ؟ قال : وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن في تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة .

ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه ما فيه ، وفي عطف يتلوه احتمالان : الأول : أن يكون على ما وقع صفة لبينة ، والثاني : أن يكون على جملة { كَانَ } ومرفوعها ، وقوله سبحانه : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } عطف على { شَاهِدٌ } والضمير المجرور له ، وقد توسط الجار والمجرور بينهما ، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب أي { وَيَتْلُوهُ } في التصديق { كِتَابُ موسى } منزلاً من قبله ، وحاصله { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى ، قيل : وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفاً لازماً له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو ، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد الإعجاز كما اختاره بعض المحققين وقد يقال : إن تأخير بيان شهادة هذا الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضاً ، وتخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى .

وأوجب بعضهم كون { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } جملة مبتدأة غير داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي . وغيره { كِتَابٌ } بالنصب على أنه معطوف على مفعول يتلوه أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى ، والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير ، ويتلو في هذه القراءة من التلاوة ، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن ، و { مِنْ } تبعيضية لا تجريدية ، والمعنى على ما يقتضيه كلام الكشاف { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } على أن القرآن حق لا مفترى ، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في التوراة ، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء ، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى ، والمراد بهذا الشاهد ما أريد به في قوله سبحانه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ }

[ الأحقاف : 10 ] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه ، ففي الآية مدح أهل الكتاب وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد فضله وتنبيهاً على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة الشاهد ، وفي قوله تعالى : { *ويتلوه } استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة ، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام { لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أي مؤتماً به في الدين ومقتدى ، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم ، وكذا في قوله سبحانه : { وَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب { أولئك } أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحداً من عظماء الدين ؛ فالضمير للقرآن ، وقيل : إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب ما بعد ، وإن لم يك خالياً عن الفائدة ، وقيل : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم يصدق بها { مّن الاحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب الكفار مطلقاً فإنهم تحزبوا على الكفر ، وروي ذلك عن ابن جبير ، وفي رواية أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود . والنصارى ، وقال السدي : هم قريش ، وقال مقاتل : هم بنو أمية . وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي . وآل أبي طلحة بن عبيد الله { فالنار مَوْعِدُهُ } أي يردها لا محالة حسبما نطق به قوله سبحانه : { لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } [ هود : 16 ] وآيات أخر ، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان

: أوردتموها حياض الموت ضاحية *** فالنار موعدها والموت لاقيها

وفي جعل النار موعداً إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب { فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى غبَّ ما شهدت به الشواهد وظهر فضل من تمسك به ، أو لا تك في شك من كون النار موعدهم ، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك ، وأياً مّا كان فالخطاب إن كان عاماً لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك ، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلاً للشك تعريضاً بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم ، وقرأ السمعي .

وأبو رجاء . وأبو الخطاب السدوسي . والحسن { مِرْيَةٍ } بضم الميم وهي لغة أسد . وتميم ، والكسر لغة أهل الحجاز { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } أي الذي يربيك في دينك ودنياك { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و { الناس } على ما روى عن ابن عباس أهل مكة ، قال صاحب الفينان : جميع الكفار ، هذا والهمزة في { أَفَمَنِ } قيل : للتقرير و من مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير ، واختار هذا أبو حيان ، والذي يقتضيه كلام الزمخشري ولعله الأولى خلافه حيث قال : المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال ، وحاصله على ما في «الكشف » أن الفاء عاطفة للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الآية ، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه ، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم ، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [ السجدة : 18 ] وأما إنها عطف على قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة ، ولا يدل على إنكار التماثل ، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار عليه انتهى ، وهو جار على أحد مذهبين للنحاة في مثله ، ويعلم مما تقرر أن الآية مرتبطة بقوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الخ ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن . والتوحيد . والإسلام ، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله تعالى : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 13 ] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } ولا بينة له على ذلك .

( ومن باب الإشارة ) : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أي يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } وهو القرآن المصدق لذلك ، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية . ويحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدت له ووافقته ، ولذا قالوا : كل كشف خالف ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } أي يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه { إِمَاماً } يؤتم به في تحقيق المطالب { وَرَحْمَةً } [ هود : 17 ] لمن يهتدي به ، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم ، وقد قدمنا ما فيها من الاحتمالات ؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه .

وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى في البينة فقال رويم : هي الإشراف عن القلوب والحكم على الغيوب ، وقال سيد الطائفة : هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم ، وقيل : غير ذلك ، وعن أبي بكر بن طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفاً على الطاعات والموافقات ولسانه مشغولاً بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منوراً بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى يرى سواه