قوله تعالى { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } .
اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر ، وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له : فأتنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه ، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم يستعجلون الرسول بالسيئة قبل الحسنة ، والمراد بالسيئة ههنا نزول العذاب عليهم كما قال الله تعالى عنهم في قوله : { فأمطر علينا حجارة } وفي قوله : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى قوله : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } وإنما قالوا ذلك طعنا منهم فيما ذكره الرسول ، وكان صلى الله عليه وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا فالقوم طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر فهذا هو المراد بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ومنهم من فسر الحسنة ههنا بالإمهال والتأخير وإنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم ويؤذيهم .
أما قوله : { وقد خلت من قبلهم المثلات } فاعلم أن العرب يقولون : العقوبة مثلة ومثله صدقة وصدقة ، فالأولى لغة الحجاز ، والثانية لغة تميم ، فمن قال مثلة فجمعه مثلات ، ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلات بإسكان التاء ، هكذا حكاه الفراء والزجاج ، وقال ابن الأنباري رحمه الله : المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئا ، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة ، وهو من قولهم ، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه أو بقر بطنه فهذا هو الأصل ، ثم يقال للعار الباقي ، والخزي اللازم مثله . قال الواحدي : وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابها للمعاقب ومماثلا له لا جرم سمي بهذا الاسم . قال صاحب «الكشاف » : قرئ ( المثلات ) بضمتين لاتباع الفاء العين ، ( والمثلات ) بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال : السمرة ، والمثلات ، بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين ، والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات .
إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به ، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها ، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتبارا بحال من سلف .
أما قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة ، ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى : { لذو مغفرة للناس على ظلمهم } أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال : رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافرا للناس حال اشتغالهم بالظلم ، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائبا فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة . ثم نقول : ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب ، أو نقول : إنه تعالى لم يقتصر على قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } بل ذكر معه قوله { وإن ربك لشديد العقاب } فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول : يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب ، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولا على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة ، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب .
والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة ، وإلا لوجب أن يقال : الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة ، وعن الثاني : أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل . أما أداء الواجب فلا تمدح فيه ، وعندكم يجب غفران الصغائر ، وعن الثالث : إنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم ، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة ، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه .
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة } بالعقوبة التي هددوا بها على الإصرار على الكفر استهزاءً وتكذيباً { قَبْلَ الحسنة } أي العافية والسلامة منها ، والمراد بكونها قبلها أن سؤالها قبل سؤالها أو أن سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدر لها ، وأخرج ابن جرير . وغيره عن قتادة أنه قال في الآية : هؤلاء مشركو العرب استعجلوا بالشر قبل الخير فقالوا : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } جمع مثلة كسمرة وسمرات وهي العقوبة الفاضحة ، وفسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالعقوبة المستأصلة للعضو كقطع الأذن ونحوه سميت بها لما بين العقاب والمعاقب به من المماثلة كقوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص يقال : أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته بمعنى واحد أو هي من المثل المضروب لعظمها .
والجملة في موضع الحال لبيان ركاكة رأيهم في الاستعجال بطريق الاستهزاء أي يستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين لوقوع ما أنذرتهم إياه والحال أنه قد مضت العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين . وقرأ مجاهد . والأعمش { المثلات } بفتح الميم والثاء ، وعيسى بن عمرو في رواية الأعمش ؛ وأبو بكر بضمهما وهو لغة أصلية ، ويحتمل أنه اتبع فيه العين للفاء ، وابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء وهي لغة تميم ، وابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء وهي لغة الحجازيين { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } عظيمة { لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } أنفسهم بالذنوب والمعاصي ، والجار والمجرور في موضع الحال من الناس والعامل فيها هو العامل في صاحبها وهو { مَغْفِرَةٍ } أي أنه تعالى لغفور للناس مع كونهم ظالمين : قيل : وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة وهو جواز مغفرة الكبائر والصغائر بدون توبة لأنه سبحانه ذكر المغفرة مع الظلم أي الذنب ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأول ذلك المعتزلة بأن المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي وهو الستر بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة كأنه قيل : إنه تعالى لا يعجل للناس العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يستر عليهم بتأخيرها . واعترض التأويل بالتخصيص بأنه تخصيص للعامل من غير دليل . وأجيب بأن الكفر قد خص بالإجماع فيسري التخصيص إلى ذلك . وتعقب الأخير بأنه في غاية البعد لأنه كما قال الإمام لا يسمى مثله مغفرة وإلا لصح أن يقال : الكفار مغفورون . ورد بأن المغفرة حقيقتها في اللغة الستر وكونهم مغفورين بمعنى مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور فيه وهو المناسب لاستعجالهم العذاب .
وأجيب بأن المراد أن ذلك مخالف للظاهر والاستعمال القرآن ، وذكر العلامة الطيبي أنه يجب تأويل الآية بأحد الأوجه الثلاثة لأنها بظاهرها كالحث على الظلم لأنه سبحانه وعد المغفرة البالغة مع وجود الظلم . وتعقب ذلك في «الكشف » فقال : فيه نظر لأن الأسلوب يدل على أنه تعالى بليغ المغفرة لهم مع استحقاقهم لخلافها لتلبسهم بما العقاب أولى بهم عنده ، والظاهر أن التأويل بتاء على مذهب الاعتزال . وأما على مذهب أهل السنة فإنما يؤول لو عم الظلم الكفر ، ثم قال : والتأويل بالستر والإمهال أحسن فيكون قوله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } لتحقيق الوعيد بهم وإن كانوا تحت ستره وإمهاله ، ففيه إشارة إلى أن ذلك إمهال لا إهمال . والمراد بالناس أما المعهودون وهم المستعجلون المذكورون قبل أو الجنس دلالة على كثرة الهالكين لتناولهم وأضرابهم وهذا جار على المذهبين ، وكذا اختار الطيبي هذا التأويل وقال هو الوجه . والآية على وزان قوله تعالى : { قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر في * السموات والأرض *إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [ الفرقان : 6 ] على ما ذكره الزمخشري في تفسيره وأنت قد سمعت ما له وما عليه فتدبر . واختار غير واحد إرادة الجنس من الناس وهو مراد أيضاً في { شَدِيدُ العقاب } .
والتخصيص بالكفار غير مختار . ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية { وَإِنَّ رَبَّكَ } الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا عفو الله تعالى وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " .
ومن باب الإشارة :{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } بمناسبة استعدادهم للشر { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } عقوبة أمثالهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } أنفسهم باكتساب الأمور الحاجبة لهم عن النور ولم ترسخ فيهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } [ الرعد : 6 ] لمن رسخت فيه