قوله تعالى : { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } .
المسألة الأولى : في وجه النظم وجوه ، الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان ، أو لأجل التعنت والعناد ، وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات ، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم ، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة ، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه ، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا } وقوله : { قل إنما الآيات عند الله } والثاني : أن وجه النظم أنه تعالى لما قال : { وإن تعجب فعجب قولهم } في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز ، فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالما بجميع المعلومات ، أما في حق من كان عالما بجميع المعلومات ، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض ، ثم احتج على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام . الثالث : أن هذا متصل بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } والمعنى : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة ، والله أعلم .
المسألة الثانية : لفظ «ما » في قوله : { ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد } إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية ، فإن كانت موصولة ، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه .
ثم قال : { وما تغيض الأرحام } والغيض هو النقصان سواء كان لازما أو متعديا يقال : غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى : { وغيض الماء } والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله : { وما تزداد } أي تأخذه زيادة تقول : أخذت منه حقي وازددت منه كذا ، ومنه قوله تعالى : { وازدادوا تسعا } ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه . الأول : عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه . الثاني : الولد قد يكون مخدجا ، وقد يكون تاما . الثالث : مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك ، وقيل : إن الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرما . الرابع : الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر . الخامس : ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام . السادس : ما ينقص بظهور دم الحيض ، وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص . وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كلما سال الحيض في وقت الحمل يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر . السابع : أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت ، وسالت من دواخل تلك العروق ، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى ، هذا كله إذا قلنا إن كلمة «ما » موصولة . أما إذا قلنا : إنها مصدرية فالمعنى : أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ، ويعلم غيض الأرحام وازديادها ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله .
وأما قوله تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } فمعناه : بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } وقوله في أول الفرقان : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } .
واعلم أن قوله : { كل شيء عنده بمقدار } يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ، ومعناه : أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ، ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة ، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة .
{ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } استئناف جواباً عن سؤال من يقول : لماذا لم يجابوا إلى المقترح فتنقطع حجتهم ولعلهم يهتدون ؟ بأن ذلك أمر مدبر ببالغ العلم ونافذ القدرة لا عن الجزاف واتباع آرائهم السخاف ، وجوز أن يراد بالهادي هو الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس . والضحاك . وابن جبير ، فالتنوين فيه للتفخيم والتعظيم ، وتوجيه الآية على ذلك أنهم لما أنكروا الآيات عناداً لكفرهم الناشىء عن التقليد ولم يتدبروا الآيات قبل : إنما أنت منذر لا هاد مثبت للإيمان في صدورهم صاد لهم عن جحودهم فإن ذلك إلى الله تعالى وحده وهو سبحانه القادر عليه ، وعلى هذا بيل : يجوز أن يكون قوله سبحانه : { الله } خبر مبتدأ محذوف أي هو الله ويكون ذلك تفسيراً لهاد و { يَعْلَمْ } جملة مقررة لاستقلاله تعالى بالهداية كالعلة لذلك ، ويجوز أن يكون جملة { الله يَعْلَمُ } مقررة ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر كأنه هو تعالى يعلم أي ذلك الهادي ، والأول بعيد جداً . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن جرير عن عكرمة . وأبي الضحى أن المنذر والهادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجه ذلك بأن { هَادٍ } عطف على { مُنذِرُ } و { لِكُلّ * قَوْم } متعلق به قدم عليه للفاصلة . وفي ذلك دليل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وشمول دعوته ، وفيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجار والمجرور والنحويون في جوازه مختلفون ، وقد يجعل { هَادٍ } خبر مبتدأ مقدر أي وهو هاد أو وأنت هاد ، وعلى الأول فيه التفات ، وقال أبو العالية : الهادي العمل ، وقال علي بن عيسى : هو السابق إلى الهدى ولكل قوم سابق سبقهم إلى الهدى . قال أبو حيان : وهذا يرجع إلى أن الهادي هو النبي لأنه الذي يسبق إلى ذلك وعن أبي صالح أنه القائد إلى الخير أو إلى الشر والكل كما ترى . وقالت الشيعة : إنه علي كرم الله تعالى وجهه ورووا في ذلك أخباراً ، وذكر ذلك القشيري منا . وأخرج ابن جرير . وابن مردويه . والديلمي . وابن عساكر عن ابن عباس قال : لما نزلت { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } [ الرعد : 7 ] الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال : أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي كرم الله تعالى وجهه فقال : أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي . وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند » . وابن أبي حاتم . والطبراني في الأوسط . والحاكم وصححه . وابن عساكر أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية : رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر وأنا الهادي ، وفي لفظ الهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه .
واستدل بذلك الشيعة على خلافة علي كرم الله تعالى وجهه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل . وأجيب بأنا لا نسلم صحة الخبر ، وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند أهل الأثر ، وليس في الآية دلالة على ما تضمنه بوجه من الوجوه ، على أن قصارى ما فيه كونه كرم الله تعالى وجهه به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يستدعي إلا إثبات مرتبة الإرشاد وهو أمر والخلافة التي نقول بها أمر لا تلازم بينهما عندنا .
وقال بعضهم : إن صح الخبر يلزم القول بصحة خلافة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم حيث دل على أنه كرم الله تعالى وجهه على الحق فيما يأتي ويذر وأنه الذي يهتدي به وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعاً ومدحهم وأثنى عليهم خيراً ولم يطعن في خلافتهم فينبغي الاقتداء به والجري على سننه في ذلك ودون ءثبات خلاف ما أظهر خرط القتاد . وقال أبو حيان : إنه صلى الله عليه وسلم على فرض صحة الرواية إنما جعل علياً كرم الله تعالى وجهه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين فكأنه عليه الصلاة والسلام قال : يا علي هذا وصفك فيدخل الخلفاء الثلاث وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل وسائر علماء الأمة ، وعليه فيكون معنى الآية إنما أنت منذر ولكل قوم في القديم والحديث إلى ما شاء الله تعالى هداة دعاة إلى الخير اه وظاهره أنه لم يحمل تقديم المعمول في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على الحصر الحقيقي وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يهتدي به ، ويؤيد عدم الحصر ما جاء عندنا من قوله صلى الله عليه وسلم : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وأخبار أخر متضمنة لإثبات من يهتدي به غير علي كرم الله تعالى وجهه ، وأنا أظنك لا تلتفت إلى التأويل ولا تعبأ بما قيل وتكتفي بمنع صحة الخبر وتقول ليس في الآية مما يدل عليه عين ولا أثر هذا ، و { مَا } يحتمل أن تكون مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى من أي الإناث كانت ، والحمل على هذا بمعنى المحمول ، وأن تكون موصولة والعائد محذوف أي الذي تحمله في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا بعد تكامل الخلق فقط ، وجوز أن تكون نكرة موصوفة و { يَعْلَمْ } قيل متعدية إلى واحد فهي عرفانية ، ونظر فيه بأن المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله تعالى وهو ناشىء من عدم المعرفة بتحقيق ذلك وقد تقدم ، وجوز أن تكون استفهامية معلقة ليعلم وهي مبتدأ أو مفعول مقدم والجملة سادة مسد المفعولين ، أي يعلم أي شيء تحمل وعلى أي حال هو من الأحوال المتواردة عليه طوراً فطوراً ، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر المتبادر ، وكما جوز في { مَا } هذه الأوجه جوزت في ما بعدها أيضاً ، ووجه مناسبة الآية لما قبلها قد علم مما سبق ، وقيل : وجهها أنه لما تقدم إنكارهم البعث وكان من شبههم تفرق الأجزاء واختلاط بعضها ببعض بحيث لا يتهيأ الامتياز بينها نبه سبحانه بهذه الآية على إحاطة علمه جل شأنه إزاحة لشبهتهم ؛ وقيل : وجهها أنهم لما استعجلوا بالسيئة نبه عز وجل على إحاطة علمه تعالى ليفيد أنه جلت حكمته إنما ينزل العذاب حسبما يعلم من المصلحة والحكمة ، وفي مصحف أبي ومر ما قيل في نظيره { مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا * تَضَعُ } { وَمَا تَغِيضُ الارحام وَمَا تَزْدَادُ } أي ما تنقصه وما تزداده في الجثة كالخديج والتام وروي ذلك عن ابن عباس ، وفي المدة كالمولود في أقل مدة الحمل والمولود في أكثرها وفيما بينهما وهو رواية أخرى عن الحبر ، قيل : إن الضحاك ولد لسنتين ، وإن هرم( {[453]} ) بن حيان لأربع ومن ذلك سمي هرماً ، وإلى كون أقصى مدة الحمل أربع سنين ذهب الشافعي ، وعند مالك أقصاها خمس ، وعند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أقصاها سنتان وهو المروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج ابن جرير عنها لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما تتحرك فلكة مغزل ، وفي العدد كالواحد فما فوق ، قيل : ونهاية ما عرف أربعة فإنه يروى أن شريك( {[454]} ) بن عبد الله ابن أبي نمير القرشي كان رابع أربعة وهو الذي وقف عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وقال الشافعي عليه الرحمة : أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطوناً في كل بطن خمسة وهذا من النوادر ، وقد اتفق مثله لكن ما زاد على اثنين لضعفه لا يعيش إلا نادراً .
وما يحكى أنه ولد لبعضهم أربعون في بطن واحدة كل منهم مثل الإصبع وأنهم عاشوا كلهم فالظاهر أنه كذب ، وقيل : المراد نقصان دم الحيض وازدياده وروي ذلك عن جماعة ، وفيه جعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يغيض تارة ويظهر أخرى ، وغاض جاء متعدياً ولازماً كنقص وكذا ازداد وهو مما اتفق عليه أهل اللغة ، فإن جعلتهما لازمين لا يجوز أن تكون { مَا } موصولة أو موصوفة لعدم العائد ، وإسناد الفعلين كيفما كانا إلى الأرحام فإنهما على اللزوم لما فيها وعلى التعدي لله جل شأنه وعظم سلطانه { وَكُلَّ شىْء } من الأشياء { عِندَهُ } سبحانه { بِمِقْدَارٍ } بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ] فإن كل حادث من الاعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه ولعل حال المعدوم معلوم بالدلالة إذا قلنا : إن الشيء هو الموجود و { عِندَ } ظرف متعلق بمحذوف وقع صفة لشيء أو لكل و { بِمِقْدَارٍ } خبر { كُلٌّ } وجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من مقدار وهو في الأصل صفة له لكنه لما قدم أعرب حالاً وفاءً بالقاعدة ؛ وأن يكون ظرفاً لما يتعلق به الجار ، والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري على ما قيل ، فإن تحقق الأشياء في أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتب الوجود والاستعداد لذلك علم بالنسبة إليه تعالى ، وقيل : معنى عنده في حكمه .
ومن باب الإشارة :{ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } فيعلم ما تحمل أنثى النفس من ولد الكمال أي ما في قوة كل استعداد { وَمَا تَغِيضُ الارحام } أي تنقص أرحام الاستعداد بترك النفس وهواها { وَمَا تَزْدَادُ } بالتزكية وبركة الصحبة { وَكُلَّ شىْء } من الكمالات { عِندَهُ } سبحانه { بِمِقْدَارٍ } [ الرعد : 8 ] معين على حسب القابلية