مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ} (88)

قوله تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } .

اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا ، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن سبيل الله . وفي تفسير قوله : { وصدوا عن سبيل الله } وجهان : قيل : معناه الصد عن المسجد الحرام ، والأصح أنه يتناول جملة الإيمان بالله والرسول وبالشرائع ، لأن اللفظ عام فلا معنى للتخصيص وقوله : { زدناهم عذابا فوق العذاب } فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر ، فلا جرم يزيدهم الله تعالى عذابا على عذاب ، وأيضا أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر ، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ولقوله عليه السلام : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » ، ومن المفسرين من ذكر تفصيل تلك الزيادة فقال ابن عباس : المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنهار ، وقال بعضهم : زدناهم عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخت ، فيستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر لكل عقرب ثلثمائة فقرة في كل فقرة ثلثمائة قلة من سم . وقيل : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال .

ثم قال تعالى : { بما كانوا يفسدون } أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصلت معللة بذلك الصد ، وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم عذابه ، فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين ، فقد عظم قدره عند الله تعالى ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ} (88)

{ الذين كَفَرُواْ } في أنفسهم { وَصُدُّواْ } غيرهم { عَن سَبِيلِ الله } بمنع من يريد الإسلام عنه وبحمل من استخفوه على الكفر فالصد عن السبيل أعم من المنع عنه ابتداءً وبقاءً كذا قيل : والظاهر الأول ، والظاهر أن الموصول مبتدأ وقوله تعالى : { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } خبره ، وجوز ابن عطية كون الموصول بدلاً من فاعل { يَفْتَرُونَ } [ النحل : 87 ] ويكون { زِدْنَاهُمْ } مستأنفاً ، وجوز بعضهم كون الأول نصباً على الذم أو رفعاً عليه فيضمر الناصب والمبتدأ وجوباً و { زِدْنَاهُمْ } بحاله ، وهذه الزيادة إما بالشدة أو بنوع آخر من العذاب والثاني هو المأثور ، فقد أخرج ابن مردويه . والخطيب( {[544]} ) عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم » وروى نحوه الحاكم وصححه . والبيهقي . وغيره عن ابن مسعود .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم وأفاعي كأنهم البخاتي فتضربهم فذلك الزيادة ، وعن ابن عباس أنها أنهار من صفر مذاب يسيل من تحت العرش يعذبون بها ، وعن الزجاج يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } متعلق بزدناهم أي زدناهم عذاباً فوق العذاب الذي يستحقونه بكفرهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد عن السبيل ، وجوز أن يفسر ذلك بما هو أعم من الكفر والصد ، والمعنى زدناهم عذاباً فوق عذابهم الذي يستحقونه بمجرد الكفر والصد بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين ، ووجه ذلك أن البقاء على المعصية يومين مثلاً أقبح من البقاء عليها يوماً والبقاء ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا ، ومن هنا قالوا : الإصرار على الصغيرة كبيرة ، وقيل : إن أهل جهنم يستحقون من العذاب مرتبة مخصوصة هي ما يكون لهم أول دخولها والزيادة عليها إنما هي لحفظها إذ لو لم تزد لألفوها وطابت أنفسهم بها كمن وضع يده في ماء حار مثلاً فإنه يجد أول زمان وضعها ما لا يجده بعد مضي ساعة وهو كما ترى .


[544]:- في تالي التلخيص اهـ منه.