قوله تعالى { وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون }
اعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الإجمال ، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام ، فبدأ تعالى بالأمر بالوفاء بالعهد وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير قوله : { بعهد الله } وجوها : الأول : قال صاحب «الكشاف » : عهد الله هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام لقوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توكيدها ، أي بعد توثيقها باسم الله . الثاني : أن المراد منه كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره قال ابن عباس : والوعد من العهد ، وقال ميمون بن مهران من عاهدته وف بعهده مسلما كان أو كافرا فإنما العهد لله تعالى . الثالث : قال الأصم : المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق . الرابع : عهد الله هو اليمين بالله ، وقال هذا القائل : إنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه ، لأنه عليه السلام قال : " من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر " الخامس : قال القاضي : العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه ، ومعلوم أن أدلة العقل والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين . ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف ، ويصح ذلك في اليمين وربما ندب فيه خلاف الوفاء .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } فهذا يجب أن يكون مختصا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأن قوله : { إذا عاهدتم } يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي معتبرا . ولأنه تعالى قال في آخر الآية : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } وهذا يدل على أن الآية واردة فيمن آمن بالله والرسول ، وأيضا يجب أن لا يحمل هذا العهد على اليمين ، لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } تكرارا لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان ، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك إلا إذا قيل إن الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين ، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذر تنبيها على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية ، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل هذا العهد على ما يلزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد ، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات ، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين ، وفي قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } مباحث :
البحث الأول : قال الزجاج : يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل منها .
البحث الثاني : قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : يمين اللغو هي يمين الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان ، فوجب أن يكون كل يمين قابلا للبر والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب : لا والله ، وبلى والله . قال إنما قال تعالى : { بعد توكيدها } للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين .
البحث الثالث : قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } عام دخله التخصيص ، لأنا بينا أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها .
ثم قال : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلا عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف .
ثم قال : { إن الله يعلم ما تفعلون } وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } قال قتادة . ومجاهد : نزلت فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر أنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على الإسلام ، وظاهره أنها في البيعة على الإسلام مطلقاً ، فالمراد بعهد الله تعالى البيعة كما نص عليه غير واحد . واعترض بأن الظاهر أنه عام في كل موثق وهو الذي يقتضيه كلام ميمون بن مهران ، وسبب النزول ليس من المخصصات ، ولذا قالوا : الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وأجيب بأن قرينة التخصيص قوله تعالى فيما قبل : { الذين كَفَرُواْ } [ النحل : 88 ] الآية ، وفيه نظر ، وقال الأصم : المراد به الجهاد وما فرض في الأموال من حق ولا يلائمه قوله تعالى : { إِذَا عاهدتم } وقيل : المراد به النذر ، وقيل : اليمين وتعقب ذلك الإمام بأنه حينئذ يكون قوله تعالى :
{ وَلاَ تَنقُضُواْ الايمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك ، وإذا حمل العهد على العموم بحيث دخل تحته اليمين كان هذا من باب تخصيص بعض الأفراد بالذكر للاعتناء به وبعض من فسر العهد بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الأيمان على ما وقع عند تلك البيعة ، وجوز بعضهم حملها على مطلق الأيمان .
وفي «الحواشي السعدية » أن الظاهر أن المراد بها الأشياء المحلوف عليها كما في قوله عليه الصلاة والسلام : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " لأنه لو كان المراد ذكر اسم الله تعالى كان عين التأكيد لا المؤكد فلم يكن محل ذكر العطف كما تقرر في المعاني ورد بأن المراد بها العقد لا المحلوف عليه لأن النقض إنما يلائم العقد ولا ينافي ذلك قوله تعالى : { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } لأن المراد كون العقد مؤكداً بذكر الله تعالى لاب ذكر غيره كما يفعله العامة الجهلة فالمعنى أن ذلك النهي لما ذكر لا عن نقض الحلف بغير الله تعالى وقال الواحدي : إن قوله سبحانه : { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } لإخراج لغو اليمين نحو لا والله بلى والله بناء على أن المعنى بعد توكيدها بالعزم والعقد ولغو اليمين ليست كذلك . ثم إذا حمل الأيمان على مطلقها فهو كما قال الإمام عام دخله التخصيص بالحديث السابق الدال على أنه متى كان الصلاح في نقض اليمين جاز نقضها . وتعقب بأن فيه تأملاً لأن الحظر لو لم يكن باقياً لما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب . وأجيب بأن وجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الايمان الانعقاد ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها ، وجوز أن يقال : إن ذلك للإقدام على الحلف بالله تعالى في غير محله فليتأمل ، والتوكيد التوثيق ، ومنه أكد بقلب الواو همزة على ما ذهب إليه الزجاج وغيره ، من النحاة ، وذهب آخرون إلى أن وكد وأكد لغتان أصليتان لأن الاستعمالين في المادة متساويان فلا يحن القول بأن الواو بدل من الهمزة كما في «الدر المصون » وهو الذي اختاره أبو حيان .
{ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } أي شاهداً رقيباً فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه واستعمال الكفيل في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل والعلاقة اللزوم .
والظاهر أن جعلهم مجاز أيضاً لأنهم لمافعلواذلك والله تعالى مطلع عليهم فكأنهم جعلوه سبحانه شاهداً قتاله الخفاجي ثم قال : ولو أبقى الكفيل على ظاهره وجعل تمثيلاً لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله كما يقال : من ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه تنبيهاًعلى أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغاً جداً فتدبر ، والظاهر أن الجملة في موضع الحال من فاعل { تَنقُضُواْ } وجوز أن تكون حالاً من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً ، وقوله سبحانه : { إِنَّ الله * يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } أي من النقض فيجازيكم على ذلك في موضع التعليل للنهي السابق ، وقال الخفاجي : إنه كالتفسير لما قبله .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } [ النحل : 91 ] المأخوذ عليكم في عالم الأرواح بالبقاء على حكمه وهو الاعراض عن الغير والتجرد عن العلائق والعوائق في التوجه إليه تعالى إذا عاهدتم أي تذكرتموه بإشراق نور النبي صلى الله عليه وسلم عليكم وتذكيره إياكم ؛ قال النصر آبادي : العهود مختلفة فعهد العوام لزوم الظواهر وعهد الخواص حفظ السرائر وعهد خواص الخواص التخلي من الكل لمن له الكل
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.