مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (32)

قوله تعالى { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } .

اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها } قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين . الأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني : أن الملائكة إنما قالوا { أتجعل فيها } لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها . وههنا مسائل :

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله تعالى { لا علم لنا إلا ما علمتنا } على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله { لا علم لنا إلا ما علمتنا } .

المسألة الثانية : احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وقوله { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضا بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضا إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى .

المسألة الثالثة : العليم من صفات المبالغة التامة في العلم ، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو ، فلذلك قال { إنك أنت العليم الحكيم } على سبيل الحصر .

المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين . أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل . الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لا اعتراض لأحد عليه . فيكون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه . وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (32)

{ قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل : فماذا ؟ قالوا إذا ذاك : هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أولاً ؟ فقيل : { قَالُواْ } : الخ . وذكر غير واحد أن الجمل المفتتحة بالقول إذا كانت مرتباً بعضها على بعض في المعنى فالأفصح أن لا يؤتى فيها بحرف اكتفاء بالترتيب المعنوي ، وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك كثير ، بل القرآن مملوء منه ، وسبحان قيل : إنه مصدر ، وفعله سبح مخففاً بمعنى نزه ، ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً ، إما للمفعول أو الفاعل منصوباً بإضمار فعل وجوباً ، وقوله :

سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به *** وقبلنا سبح الجودي والجمد

شاذ كقوله :

سبحانك اللهم ذا السبحان ***

ومجيئه منادى مما زعمه الكسائي ولا حجة له ، وذهب جماعة إلى أنه علم للتسبيح بمعنى التنزيه لا مصدر سبح بمعنى قال : سبحان الله لئلا يلزم الدور( {[157]} ) ولأن مدلول ذلك لفظ ومدلول هذا معنى واستدل على ذلك بقوله :

قد قلت لما جاءني فخره *** سبحان من علقمة الفاخر

إذ لولا أنه عَلَمٌ لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ، وأجيب بأن سبحان فيه على حذف المضاف إليه أي سبحان الله وهو مراد للعلم به ، وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله وهو التجرد عن التنوين وقيل : ( من ) زائدة والإضافة لما بعدها على التهكم والاستهزاء به ، ومن الغريب قول بعض : إن معنى { سبحانك } تنزيه لك بعد تنزيه ، كما قالوا في لبيك إجابة بعد إجابة ، ويلزم على هذا ظاهراً أن يكون مثنى ومفرده سبحا وأن لا يكون منصوباً بل مرفوع وأنه لم تسقط النون للإضافة وإنما التزم فتحها ، ويا سبحان الله تعالى لمن يقول ذلك ، والغرض من هذا الجواب الاعتراف بالعجز عن أمر الخلافة ، والقصور عن معرفة الأسماء على أبلغ وجه كأنهم قالوا : لا علم لنا إلا ما علمتنا ولم تعلمنا الأسماء فكيف نعلمها ؟ وفيه إشعار بأن سؤالهم لم يكن إلا استفساراً ، إذ لا علم لهم إلا من طريق التعليم ، ومن جملته علمهم بحكمة الاستخلاف مما تقدم فهو بطريق التعليم أيضاً فالسؤال المترتب هو عليم سؤال مستفسر لا معترض وثناءً عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع ومراعاة الأدب وترك الدعوى ، ولهذا كله لم يقولوا لا علم لنا بالأسماء مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك ، ومن زعم عدم العصمة جعل هذا توبة ، والإنصاف أنه يشبهها ولكن/ لا عن ذنب مخل بالعصمة بل عن ترك أولى بالنسبة إلى علو شأنهم ورفعة مقامهم إذ اللائق بحالهم على العلات أن يتركوا الاستفسار ويقفوا مترصدين لأن يظهر حقيقة الحال .

و ( ما ) عند الجمهور موصولة حذف عائدها وهي إما في موضع رفع على البدل أو نصب على الاستثناء . وحكى ابن عطية عن الزهراوي أنها في موضع نصب ب { عَلَّمْتَنَا } ويتكلف لتوجيهه بأن الاستثناء منقطع ، ف { إِلا } بمعنى لكن . و{ مَا } شرطية والجواب محذوف كأنهم نفوا أولاً سائر العلوم ثم استدركوا أنه في المستقبل أي شيء علمهم علموه ويكون ذلك أبلغ في ترك الدعوى كما لا يخفى .

{ إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } تذييل يؤكد مضمون الجملة السابقة ، ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه وأردفوه بالوصف بالحكمة لما تبين لهم ما تبين ، وأصل الحكمة المنع ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها عن الاعوجاج ، وتقال للعلم لأنه يمنع عن ارتكاب الباطل ، ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد والاعتراض وهو المراد ههنا لئلا يلزم التكرار ، فمعنى الحكيم ذو الحكمة ، وقيل : المحكم لمبدعاته ، قال في «البحر » : وهو على الأول صفة ذات ، وعلى الثاني صفة فعل ، والمشهور أنه إن أريد به العليم كان من صفات الذات أو الفاعل لما لا اعتراض عليه كان من صفات الفعل فافهم .

وقدم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبة ما تقدم من { أنبئوني } [ البقرة : 31 ] و{ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } ولأن الحكمة لا تبعد عن العلم وليكون آخر مقالتهم مخالفاً لما يتوهم من أولها ، و{ أَنتَ } يحتمل أن يكون فصلاً لا محل له على المشهور يفيد تأكيد الحكم ، والقصر المستفاد من تعريف المسند ، وقيل : هو تأكيد لتقرير المسند إليه ، ويسوغ في التابع ما لا يسوغ في المتبوع ، وقيل : مبتدأ خبره ما بعده ، والحكيم إما خبر بعد خبر أو نعت له وحذف متعلقهما لإفادة العموم ، وقد خصهما بعض فقال : العليم بما أمرت ونهيت الحكيم فيما قضيت وقدرت والعموم أولى .


[157]:_ لأن التسبيح بمعنى أن يقال: سبحان الله فرع على سبحان الله فيكون فرعا له –والعلم بعد الجنس- وهل هذا إلا دور؟ اهـ منه.