مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } . اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاما عاما على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل :

المسألة الأولى : في إذ قولان . أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب . الثاني : وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر ، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين . أحدهما : أن المعنى معروف . والثاني : أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف } وقال { واذكر عبدنا داود } ، { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين } والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح . قال صاحب الكشاف : ويجوز أن ينتصب «إذ » بقالوا .

المسألة الثانية : الملك أصله من الرسالة ، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من «ملأكة » حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلبا للخفة لكثرة استعمالها . قال صاحب الكشاف : الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع .

المسألة الثالثة : من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدما على الكلام في الأنبياء لوجهين . الأول : أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } ولقد قال عليه السلام : «ابدؤوا بما بدأ الله به » الثاني : أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدما على الرسول ، ومن الناس من قال : الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع ، فكان الكلام في النبوات أصلا للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات ، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا . واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لابد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون ، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال . أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات ، وهذا قول أكثر المسلمين . وثانيا : قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب ، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة ، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر ، وينفع ولا يمنع ، ويحيي ولا يبلي وجوهر الظلمة على ضد ذلك . ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء . وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية . القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان . أحدهما : قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة البتة ، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما منها ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ، ثم إن هذه الجواهر على قسمين ، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة . فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما ، ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟ أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة ، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة ، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوها عقلية إقناعية ولنشر إليها . أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتا ، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقا وميتا معا وهو الإنسان ، أو يكون ميتا ولا يكون ناطقا وهو البهائم ، أو يكون ناطقا ولا يكون ميتا وهو الملك ، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق ، وأوسطها الناطق الميت ، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت ، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها ، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى ، وثانيا : أن الفطرة تشهد بأن عالم السماوات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني ، ولا تحصل البتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف . وثالثها : أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة ، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى ، وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة . وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات ، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة ، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها ، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها ، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة ، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم .

المسألة الرابعة : في شرح كثرتهم : قال عليه الصلاة والسلام : «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع » وروي أن بني آدم عشر الجن ، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا ، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة ، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف ، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا ، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم ، لهم زجل بالتسبيح والتقديس ، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله . ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام . والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام . وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى . رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم ، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسأمون ، لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى ، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال { وما يعلم جنود ربك إلا هو } . وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهم إلى أين يذهبون . فقال جبريل عليه السلام . لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحدا منهم وقيل له مذ كم خلقت ؟ فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكبا في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة ، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله . واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم ، أما الأصناف فأحدها : حملة العرش وهو قوله { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } . وثالثها : أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور . الأول : أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى { نزل به الروح الأمين على قلبك } . الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن { قل من كان عدوا لجبريل } ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية ، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل . الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } . الرابع : سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام { إذ أيدتك بروح القدس } . الخامس : ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين ، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله { إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأنبياء ، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء ، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها ، ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالى { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } وكونه مطاعا أنه إمام الملائكة ومقتداهم ، وأما كونه أمينا فهو قوله { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } ومن جملة أكابر الملائكة إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار وثبت بالخبر أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } وأما قوله { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال تعالى { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } . وأما إسرافيل عليه السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور على ما قال تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } . ورابعها : ملائكة الجنة قال تعالى { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } . وخامسها : ملائكة النار قال تعالى { عليها تسعة عشر } وقوله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } . ورئيسهم مالك ، وهو قوله تعالى { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } وأسماء الزبانية قال تعالى { فليدع ناديه سندع الزبانية } . وسادسها : الموكلون ببني آدم لقوله تعالى { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقوله تعالى { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } وقوله تعالى { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } . وسابعها : كتبة الأعمال وهو قوله تعالى { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } . وثامنها : الموكلون بأحوال هذا العالم وهم المرادون بقوله تعالى { والصافات صفا } وبقوله { والذاريات ذروا } إلى قوله { فالمقسمات أمرا } وبقوله { والنازعات غرقا } . وعن ابن عباس قال : إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار ، فإذا أصاب أحدكم حرجة بأرض فلاة فليناد : أعينوا عباد الله يرحمكم الله . وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه . أحدها : أن الملائكة رسل الله ، قال تعالى { جاعل الملائكة رسلا } أما قوله تعالى { الله يصطفي من الملائكة رسلا } فهذا يدل على أن بعض الملائكة هم الرسل فقط ، وجوابه أن من للتبيين لا للتبعيض . وثانيها : قربهم من الله تعالى ، وذلك يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو القرب بالشرف وهو المراد من قوله { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } وقوله { بل عباد مكرمون } وقوله { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } . وثالثها : وصف طاعاتهم وذلك من وجوه . الأول : قوله تعالى حكاية عنهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وقال في موضع آخر { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على العبادة . الثاني : مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيما له وهو قوله { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } . الثالث : أنهم لا يفعلون شيئا إلا بوحيه وأمره وهو قوله { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } . ورابعها : وصف قدرتهم وذلك من وجوه . الأول : أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السماوات السبع لقوله { وسع كرسيه السماوات والأرض } فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم . الثاني : أن علو العرش شيء لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة . الثالث : قوله تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات والأرض ، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء . فاعرف منه عظم هذه القوة . والرابع : أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة . وخامسها : وصف خوفهم ويدل عليه وجوه . الأول : أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات البتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } وقال { وهم من خشيته مشفقون } . الثاني : قوله تعالى { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، الثالث : روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال«بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين أن تكون نبيا عبدا ، قال عليه السلام : فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبدا نبيا فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل ؟ فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه وبين الرب وبينه سبعون نورا ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات . قلت على أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة » . واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال في بعض خطبه : ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر .

المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد من قوله { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم { إني جاعل في الأرض خليفة } وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون التخصيص خلاف الأصل .

المسألة السادسة : جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله { في الأرض خليفة } فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة .

المسألة السابعة : الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب وروى عبد الرحمان بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به » وهو في الأرض التي قال الله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة } والأول أقرب إلى الظاهر .

المسألة الثامنة : الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى { ثم جعلناكم خلائف في الأرض } . { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } فأما أن المراد بالخليفة من ؟ ففيه قولان : أحدهما : أنه آدم عليه السلام . وقوله { أتجعل فيها من يفسد فيها } المراد ذريته لا هو ، والثاني : أنه ولد آدم ، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد اختلفوا في أنه تعالى لم سماه خليفة وذكروا فيه وجهين ، الأول : بأنه تعالى لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه . يروى ذلك عن ابن عباس . الثاني : إنما سماه الله خليفة لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله { إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضا وهو قول الحسن ويؤكده قوله { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى وقرئ خليقة بالقاف . فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة } مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة والجواب من وجهين . الأول : أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب . الوجه الثاني : أنه تعالى علم عباده المشاورة . وأما قوله تعالى { قالوا أتجعل فيها } إلى آخر الآية ، ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه . الأول : قوله تعالى { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه . فإن قيل ما الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه . والثاني : قوله تعالى { بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي . والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن . الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج المخالف بوجوه . الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وهذا يقتضي صدور الذنب عنهم ويدل على ذلك وجوه ، أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها . هذا اعتراض على الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب . وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب . وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وأنهم قالوا { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة قال عليه السلام : «ثلاث مهلكات ، وذكر فيها إعجاب المرء بنفسه » وقال تعالى { فلا تزكوا أنفسكم } . ورابعها : أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر . وخامسها : أن قوله { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أولا . وسادسها : أن قوله { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } يدل على أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالما بكل المعلومات ، وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن يكون قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطا والأول بعيد لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقال { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } . وثامنها : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة الجن { إني جاعل في الأرض خليفة } فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه { أتجعل فيها من يفسد فيها } ثم علموا غضب الله عليهم { فقالوا سبحانك لا علم لنا } وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } في أني لا أخلق خلقا إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و{ قالوا سبحانك لا علم لنا } وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم . الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلا وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمرا فقالا لا نشرب الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي ؟ قالت : تسجدان لهذا الصنم ، فقالا : لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا نفعل ثم نستغفر فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ثم إن الله تعالى عرف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلا وبين عذاب الدنيا عاجلا فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم إنه عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة . الشبهة الرابعة : قوله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } قالوا : فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلا عنه ، فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الإنكار على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور . أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ثم رأى أن ذلك الغير يفعل فعلا لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذا ! كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه ، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة فإذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسر غامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله { أتجعل فيها من يفسد فيها } كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء .

وثانيها : أن إيراد الإشكال طلبا للجواب غير محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه البتة ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فإذا خلقت قوما يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلبا للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا والذي يؤكد هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق . والثاني : أنهم قالوا { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه ، وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا تلك الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء . ورابعها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . وخامسها : أن قول الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها } مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا فكأنهم قالوا : يا إلهنا اجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } والمعنى لا تهلكنا فقال تعالى { إني أعلم ما لا تعلمون } من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض فبين ذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له . وسادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل ، وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير :

ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح

أي أنتم كذلك . ولو كان استفهاما لم يكن مدحا ، ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم { إني أعلم ما لا تعلمون } كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحا في حكمتي فإني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم فأعلم من بواطنهم أسرارا خفية وحكما بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم .

أما الوجه الثاني : وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال . أما الوجه الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس . فالجواب : أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقا لقوله { وأما بنعمة ربك فحدث } وأيضا فيحتمل أن يكون قولهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية . بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل ، أما الوجه الرابع : وهو أن قولهم { لا علم لنا إلا ما علمتنا } يشبه الاعتذار فلابد من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذارا من ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال { لا يسبقونه بالقول } فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه ؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص . أما الوجه الخامس : وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطا وظنا ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال : إنهم ذكروا ذلك ظنا ثم ذكروا فيه وجهين . الأول : وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض . الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلابد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب . ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوها . أحدها : أنه تعالى لما قال للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة } قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا ، فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وثانيها : أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء . وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفا شديدا فقالوا ربنا لمن خلقت هذه النار ؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } عرفوا أن المعصية تظهر منهم . ورابعها : لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك . وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من يكون نائبا لله تعالى في الحكم والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الإخبار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذبا فيه ، وذلك ينافي العصمة والطهارة . أما الوجه السادس : هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها .

أما الشبهة الثانية : وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه . أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك ، وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين ، وثانيها : في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه . وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية . ورابعها : أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكبا مضيئا وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال { فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس } فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى .

وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة .

وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لا يدل أيضا على كونهم معذبين بالنار بمجرد هذه الآية بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم .

المسألة الثانية : اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي والشرور أم لا ؟ فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر : إنهم خيرات محض ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء : إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن قولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها } إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وثانيها : قوله تعالى { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } وذلك يقتضي كونهم مزجورين ممنوعين وقال أيضا { لا يستكبرون عن عبادته } والمدح بترك الاستكبار إنما يجوز له كان قادرا على فعل الاستكبار . وثالثها : أنهم لو لم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحا بفعل ذلك الشيء ، ولقد استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله تعالى ، ومعنى كونه واجبا عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما الحاجة وهما محالان والمفضي إلى المحال محال ، فيكون ذلك الترك محالا من الله تعالى ، وإذا كان الترك محالا كان الفعل واجبا فيكون الله تعالى فاعلا للثواب والعوض واجب وتركه محال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك ، فثبت أن امتناع الترك لا يقدح في حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب .

المسألة الثالثة : الواو في { ونحن } للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقديس ، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، واعلم أن التبعيد إن أريد به التبعيد عن السوء فهو التسبيح وإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن ، فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن السوء في الذات والصفات والأفعال ، أما في الذات فأن لا تكون محلا للإمكان فإن منع السوء وإمكانه هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ونفي الضد والند ، وحصول الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في الصفات فأن يكون منزها عن الجهل فيكون محيطا بكل المعلومات وقادرا على كل المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات ، وأما في الأفعال فأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل بشيء منها ولا ينتقص بعدم شيء منها فيكون مستغنيا عن كل الموجودات والمعدومات مستوليا بالإعدام والإيجاد على كل الموجودات والمعدومات ، وقال أهل التذكير : التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى التنزيه وأخرى بمعنى التعجب . أما الأول فجاء على وجوه : «أ » أنا المنزه عن النظير والشريك ، هو الله الواحد القهار «ب » أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السماوات والأرض «ج » أنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين «د » أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون «ه » أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني «و » أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء «ز » أنا العالم بكل شيء ، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب «ح » أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد «ط » أنا المنزه عن وصفهم وقولهم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، عما يقولون ، عما يصفون ، أما التعجب فكذلك «أ » أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف ، سبحان الذي سخر لنا هذا «ب » أنا الذي خلقت العالم وكنت منزها عن التعب والنصب ، سبحانه إذا قضى أمرا «ج » أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا «د » أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ، ثم يقول إن أردت رضوان الله فسبح ، وسبحوه بكرة وأصيلا . وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وإن أردت رضا الحق فسبح ، ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح ، سبحانك فقنا عذاب النار ، أيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك ، لأن لي من يسبحني ، ومنهم حملة العرش { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون } ومنهم المقربون { قالوا سبحانك أنت ولينا } ومنهم سائر الملائكة { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا } ومنهم الأنبياء كما قال ذو النون { لا إله إلا أنت سبحانك } وقال موسى { سبحانك إني تبت إليك } والصحابة يسبحون في قوله { سبحانك فقنا عذاب النار } والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال { سبح لله ما في السماوات } ثم يقول أيها العبد : أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء ، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعا وذلك لا يليق بي { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته . والنكتة الأخرى أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا { سبحان ربك رب العزة } فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي { وسبحوه بكرة وأصيلا } أقرضني { وأقرضوا الله قرضا حسنا } وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } كن معينا لي وإن كنت غنيا عن إعانتك { ولله جنود السماوات والأرض } وأيضا فلا حاجة بي إلى العسكر { ولو يشاء الله لانتصر منهم } لكنك إذا نصرتني نصرتك { إن تنصروا الله ينصركم } كن مواظبا على ذكرى { واذكروا الله في أيام معدودات } ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } لكنك إذا ذكرتني ذكرتك { فاذكروني أذكركم } اخدمني { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك { ولله ملك السماوات والأرض } . { ولله يسجد من في السماوات والأرض } ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة { قل الله ثم ذرهم } .

المسألة الرابعة : قوله { بحمدك } قال صاحب الكشاف بحمدك في موضع الحال . أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك ، وأما المعنى ففيه وجهان ، الأول : أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحا من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح الثاني : أنا نسبحك بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام : يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إلا بنعمتك ، فأوحى الله تعالى إليه «الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني » واختلف العلماء في المراد من هذا التسبيح فروي أن أبا ذر دخل بالغداة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالعكس ، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته ( سبحان الله وبحمده ) رواه مسلم وروى سعيد بن جبير قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا تصلي فقال له امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس ، فقال له مثلها فوثب عليه فضربه ، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال يا نبي الله مررت آنفا على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له : نبي الله يصلي وأنت جالس فقال لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ضربت عنقه ، فقام عمر مسرعا ليلحقه فيقتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا عمر ارجع فإن غضبك عز ورضاك حكم إن لله في السماوات ملائكة له غنى بصلاتهم عن صلاة فلان ، فقال عمر يا رسول الله وما صلاتهم ، فلم يرد عليه شيئا فأتاه جبريل فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال : نعم قال : أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون ، سبحان الحي الذي لا يموت ، فهذا هو تسبيح الملائكة » .

القول الثاني : أن المراد بقوله { نسبح } أي نصلي والتسبيح هو الصلاة ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود .

المسألة الخامسة : التقديس التطهير ، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا على وجوه . أحدها : نطهرك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة ، وثانيها : قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك . وثالثها : قول أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك . ورابعها : نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه . أحدها : قولهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالا لله تعالى لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله تعالى . وثانيها : لو كان الفساد والقتل فعلا لله تعالى لكان يجب أن يكون الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء . وثالثها : أن قوله { أعلم ما لا تعلمون } يقتضي التبري من الفساد والقتل لكن التبري من فعل نفسه محال . ورابعها : إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس ؟ وخامسها : أن قوله { أعلم ما لا تعلمون } يدل على مذهب العدل لأنه لو كان خالقا للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا . فلما لم يرض بهذا الجواب سقط هذا المذهب . وسادسها : لو كان الفساد والقتل ، من فعل الله تعالى لكان ذلك جاريا مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء فهكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة بمسألة الداعي والعلم والله أعلم .

المسألة السادسة : إن قيل قوله { إني أعلم ما لا تعلمون } كيف يصلح أن يكون جوابا عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوها ، أحدها : أنه للتعجب فيكون قوله { أعلم ما لا تعلمون } جوابا له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعا من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون . وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضا أن فيهم جمعا من المتقين ، ومن لو أقسم علي لأبره . وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل . بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض ، وفيه وجه خامس : وهو أنهم لما قالوا { نسبح بحمدك ونقدس لك } قال تعالى { إني أعلم ما لا تعلمون } وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسدا وكبرا و نفاقا . ووجه سادس : وهو أني أعلم ما لا تعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم { ربنا ظلمنا أنفسنا } وبقوله { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } وبقوله { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ في الأرض خَلِيفَةً } لما امتن سبحانه على من تقدم بما تقدم أتبع ذلك بنعمة عامة وكرامة تامة والإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع والولد سر أبيه و( إذ ) ظرف زمان للماضي مبني لشبهه بالحرف وضعا وافتقاراً ويكون ما بعدها جملة فعلية أو اسمية ، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلاً أو يكون مضمونها مشهوراً بالوقوع في الزمان المعين ، وإذا دخلت على المضارع قلبته إلى الماضي ، وهي ملازمة للظرفية إلا أن يضاف إليها زمان ، وفي وقوعها مفعولاً به أو حرف تعليل أو مفاجأة أو ظرف مكان أو زائدة خلاف ، وفي «البحر » إنها لا تقع ، وإذا استفيد شيء من ذلك فمن المقام .

واختلف المعربون فيها هنا فقيل : زائدة وبمعنى قد ، وفي موضع رفع أي ابتداء خلقكم إذ وفي موضع نصب بمقدر أي ابتداء خلقكم أو أحياكم إذ ويعتبر وقتاً ممتداً لا حين القول ، ويقال : بعدها ومعمول لخلقكم المتقدم والواو زائدة والفصل بما يكاد أن يكون سورة ، ومتعلق باذكر ويكفي في صحة الظرفية ظرفية المفعول كرميت الصيد في الحرم وهذه عدة أقوال بعضها غير صحيح والبعض فيه تكلف ، فاللائق أن تجعل منصوبة بقالوا الآتي وبينهما تناسب ظاهر والجملة بما فيها عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة كذا قيل ، وأنت تعلم أن المشهور القول الأخير ولعله الأولى فتدبر ، ولا يخفي لطف الرب هنا مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وكان في تنويعه والخروج من عامه إلى خاصه رمزاً إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها فهو صلى الله عليه وسلم على الحقيقة الخليفة الأعظم في الخليقة والإمام المقدم في الأرض والسموات العلى ، ولولاه ما خلق آدم بل ولا ولا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول عن لسان الحقيقة المحمدية :

وإني وإن كنت ابن آدم صورة *** فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

واللام الجارة للتبليغ ، والملائكة جمع ملئك على وزن شمائل وشمأل وهو مقلوب مالك صفة مشبهة عند الكسائي ، وهو مختار الجمهور من الألوكة وهي الرسالة ، فهم رسل إلى الناس وكالرسل إليهم ، وقيل : لا قلب فابن كيسان إلى أنه فعال من الملك بزيادة الهمزة لأنه مالك ما جعله الله تعالى إليه أو لقوته فإن ( م ل ك ) يدور مع القوة والشدة يقال : ملكت العجين شددت عجنه ، وهو اشتقاق بعيد ، وفعال قليل ، وأبو عبيدة إلى أنه مفعل من لاك إذا أرسل مصدر ميمي بمعنى المفعول ؛ أو اسم مكان على المبالغة ، وهو اشتقاق بعيد أيضاً ، ولم يشتهر لاك ، وكثر في الاستعمال ألكني إليه أي كن لي رسولا ولم يجيء سوى هذه الصيغة فاعتبره مهموز العين ، وإن أصله ألاكني ، وبعض جعله أجوف من لاك يلوك ، والتاء لتأنيث الجمع ، وقيل : للمبالغة ولم يجعل لتأنيث اللفظ كالظلمة لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا : كل جمع مؤنث بتأويل الجماعة وقد ورد بعير تاء في قوله :

أبا خالد صلت عليك الملائك ***

واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعاً أو عقلاً ، فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام نورانية ، وقيل : هوائية قادرة على التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى ، وقالت النصارى : إنها الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة ، والخبيثة عندهم شياطين ، وقال عبدة الأوثان : إنها هذه الكواكب السعد منها ملائكة الرحمة ، والنحس ملائكة العذاب . والفلاسفة يقولون : إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس/ الناطقة في الحقيقة ، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك ، وهي عندنا منقسمة إلى قسمين . قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 0 2 ] ، وهم العليون والملائكة المقربون . وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] وهم { المدبرات أمْراً } [ النازعات : 5 ] فمنهم سماوية ومنهم أرضية ، ولا يعلم عددهم إلى الله . وفي الخبر «أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع » وهم مختلفون في الهيآت متفاوتون في العظم ، لا يراهم على ما هم عليه إلا أرباب النفوس القدسية . وقد يظهرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاص والعام وهم على ما هم عليه ، حتى قيل : إن جبريل عليه السلام في وقت ظهوره في صورة دحية الكلبي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى ، ومثله يقع للكمل من الأولياء ، وهذا ما وراء طور العقل وأنا به من المؤمنين وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما ، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم . فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا في جلال جماله ، فهم لا يفيقون ، فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحداً من هؤلاء وهو أول ملك ظهر عن ملائكة ذلك النور سماه العقل والقلم ، وتجلى في مجلى التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية ، فقبل بذاته علم ما يكون ، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي ، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح ، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير .

فجعل لهذا العلم ثلاثمائة وستين سناً من كونه قلما ، ومن كونه عقلاً ثلاثمائة وستين تجلياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلاثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح ، وأول علم حصل فيه علم الطبيعة فكانت دون النفس ، وهذا كله في عالم النور الخالص ، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة ، فلأم شعثها ذلك النور فظهر العرش ، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق ، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين ، وليس لهم شغل إلا كونهم حافين من حول العرش يسبحون بحمد ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش ، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته ، فكل فلك أصل لما خلق فيه من عماره ، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها ، وقسم في هذا الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم ، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد في الخبر . ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك ، وخلق في كل فلك عالماً منه يعمرونه ، وزينها بالكواكب { وأوحى في كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 2 1 ] إلى أن خلق صور المولدات ، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي عليه ، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة ، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي ، وهذه الصور في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح ، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر ، وجعل لكل من الأرواح والصور غذاء يناسبه ، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين ، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون .

إذا علمت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقول لهم ، فقيل : كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، فشمل المهيمين وغيرهم ، وقيل : ملائكة الأرض بقرينة أن الكلام في خلافة الأرض ، وقيل : إبليس ومن كان معه في محاربة الجن/ الذين أسكنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن أيضاً وهم خزان الجنة اشتق لهم اسم منها فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر . والذي عليه السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته ، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات ، وقوله تعالى : { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } [ ص : 57 ] يشير إلى ذلك عندهم ، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى ، فلا يظهر بذاته إلا في هذا الملك ، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف ، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه ، وهو قد كان عالماً بخلق آدم ورتبته ، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما يكون ، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه ، وقد ظهر هذا الملك بكماله في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 2 5 ] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق ، وليس هذا بالبعيد فليفهم .

وجاعل اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين ، والأول : هنا خليفة ، والثاني : { فِي الأرض } أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد ، ف { فِي الأرض } متعلق بخليفة ، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ، ورجح في «البحر » كونه بمعنى الخلق لما في المقابل ، ويلزم على كونه بمعنى التصيير ذكر خليفة أو تقديره فيه . والمراد من الأرض إما كلها وهو الظاهر ، وبه قال الجمهور ، أو أرض مكة ، وروي هذا مرفوعاً والظاهر أنه لم يصح ، وإلا لم يعدل عنه ، وخص سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات ، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى ؛ والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه ، والهاء للمبالغة ، ولهذا يطلق على المذكر ، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية ولإفراد اللفظ ولما في السياق ، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذٍ بطريق التسبب أو المراد بمن يفسد الخ من فيه قوة ذلك ، ومعنى كونه خليفة أنه خليفة الله تعالى في أرضه ، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى ، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية ، وذاته تعالى في غاية التقدس ، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى . وقيل : هو وذريته عليه السلام ، ويؤيده ظاهر قول الملائكة ، فإلزامهم حينئذٍ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه ، وهذا كما يستغني بذكر أبي القبيلة عنهم ، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف ، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار ، أو أنه يخلف بعضهم بعضاً ، وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى ، والجامع لصفتي جماله وجلاله ، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين ، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه ، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن » وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق ، ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا/ الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه ، فهو العماد المعنوي للسماء ، والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه . ولما كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم ، والله سبحانه الفعال لما يريد ، ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي المقام ضيق ، والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز وجل . وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة ؛ لأن هذه المعاملة تشبهها أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم ، وكان هذا القول على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي( {[154]} ) لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة ، ومن عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول وهو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد ، وقرأ زيد بن علي ( خليقة ) بالقاف والمعنى واضح .

{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاماً عن نفس الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل ، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته ، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل أي : أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد وجعله بعضهم من الجملة الحالية أي : أتجعل فيها كذا ونحن نسبح بحمدك أم نتغير واختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه ، والأدب يسكتني عنه ، وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم ، ومن العجيب أن مولانا الشعراني وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللاً له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة ، وقال : إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان في الأرض والعياذ بالله تعالى ، ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وعندي أن ذلك غير صحيح ، وقيل : إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ، والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد ولم يكرره بعد للاكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى .

والسفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية ، والدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه مسموعان ، وأصله فعل أو فعل ، والمراد بها المحرمة بقرينة المقام ، وقيل : الاستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه بينها ، وقرأ ابن أبي عبلة يسفك بضم الفاء ، ويسفك من أسفك وبالتضعيف من سفك ، وقرأ ابن هرمز بنصب الكاف وخرج على النصب في جواب الاستفهام ، وقرئ على البناء للمجهول ، والراجع إلى من حينئذٍ سواء جعل موصولاً أو موصوفاًحذوف أي فيهم وحكم الملائكة بالإفساد والسفك على الإنسان بناءً على بعض هاتيك الوجوه ليس من ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين ولكن بإخبار من الله تعالى ولم يقص علينا فيما حكي عنهم اكتفاءً بدلالة الجواب عليه للإيجاز كما هو عادة القرآن ، ويؤيد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه لما قال الله تعالى ذلك قالوا : وما يكون من ذلك الخليفة ؟ قال : تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً فعند ذلك قالوا : ربنا { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } وقيل : عرفوا ذلك من اللوح ويبعده عدم علم الجواب ، ويحتاج الجواب إلى تكلف ، وقيل : عرفوه استنباطاً عما ركز في عقولهم من عدم عصمة غيرهم المفضي إلى العلم بصدور المعصية عمن عداهم المفضي إلى التنازع والتشاجر إذ من لا يرحم نفسه لا يرحم غيره ، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء ، وقيل : قياساً لأحد الثقلين على الآخر بجامع اشتراكهما في عدم العصمة ولا يخفى ما في القولين ، ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فساد إما في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك أو لأنها مجلي الجلال كما أنها مجلي الجمال ، ولكل آثار ، والإفساد والسفك من آثار الجلال وسكتوا عن آثار الجمال إذ لا غرابة فيها وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالى حق قدره ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم .

{ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } حال من ضمير الفاعل في { أَتَجْعَلُ } وفيها تقرير لجهة الإشكال ، والمعنى تستخلف من ذكر ونحن المعصومون وليس المقصود إلا الاستفسار عن المرجح لا العجب والتفاخر حتى يضر بعصمتهم كما زعمت الحشوية ، ولزوم الضمير ، وترك الواو في الجملة الاسمية إذا وقعت حالاً مؤكدة غير مسلم كما في «شرح التسهيل » وصيغة المضارع للاستمرار ، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاختصاص . ومن الغريب جعل الجملة استفهامية حذف منها الأداة ، وكذا المعادل والتسبيح في الأصل مطلق التبعيد ، والمراد به تبعيد الله تعالى عن السوء وهو متعد بنفسه ويعدى باللام إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه فالمفعول المقدر ههنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه ، وأن يكون بدونه كما هو أصله ، و{ بِحَمْدِكَ } في موضع الحال والباء لاستدامة الصحبة والمعية ، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية ، أو إلى المفعول أي متلبسين بحمدنا لك على ما وفقتنا لتسبيحك ، وفي ذلك نفي ما يوهمه الإسناد من العجب ، وقيل : المراد به تسبيح خاص وهو سبحان ذي الملك والملكوت سبحانه ذي العظمة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت ويعرف هذا بتسبيح الملائكة ، أو سبحان الله وبحمده وفي حديث عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل ؟ قال : ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده " أي وبحمده نسبح ، والتقديس في المشهور كالتسبيح معنى ، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أن أحدهما باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات ، وقيل : التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به ، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقاً بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما آخر نحو سبوح قدوس ويحتمل أن يكون بمعنى التطهير ، والمراد نسبحك ونطهر أنفسنا من الأدناس أو أفعالنا من المعاصي فلا نفعل فعلهم من الإفساد والسفك أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك ، ولام { لَكَ } إما للعلة متعلق بنقدس والحمل على التنازع مما فيه تنازع أو معدية للفعل كما في سجدت لله تعالى أو للبيان كما في سفهاً لك( {[155]} ) فمتعلقها حينئذٍ خبر مبتدأ محذوف أو زائدة والمفعول هو المجرور ، ثم الظاهر أن قائل هذه الجملة هو قائل الجملة الأولى ، وأغرب الشيخ/ صفي الدين الخزرجي في كتابه «فك الأزرار » فجعل القائل مختلفاً ، وبين ذلك بأن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين ، وكان إبليس مندرجاً في جملتهم فورد الجواب منهم مجملاً ، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل الجواب إلى نوعين ، فنوع الاعتراض منه ، ونوع التسبيح والتقديس ممن عداه ، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين ، وناسب كل جواب من ظهر عنه ، فالكلام شبيه بقوله تعالى : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة : 135 ] وهو تأويل لا تفسير .

{ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من الحكم في ذلك ما أنتم بمعزل عنه ، وقيل : أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم ، وقيل : بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون ، وقيل : الأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه : { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } [ البقرة : 33 ] ويفهم من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم ، أن المراد من الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله ، فكأنه قال جل شأنه أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم فإني أعلم ما لا تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم ، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصفات فيكم ، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي ، فلا بد من إظهار من تم استعداده ، وكملت قابليته ليكون مجلى لي ومرآة لأسمائي وصفاتي ومظهراً للمتقابلات فيّ ، ومظهراً لما خفي عندي ، وبي يسمع وبي يبصر وبي وبي ، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر ، وإلى الله عز شأنه يرجع الأمر . و{ أَعْلَمُ } فعل مضارع ، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله سبحانه كما لا يخفى .


[154]:_ قوله التي الخ كذا بخط المؤلف اهـ مصححه.
[155]:_ قوله سفها لك كذا بخطه اهـ مصححه.