مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (35)

قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } اعلم أن ههنا مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله { اسكن } أمر تكليف أو إباحة فالمروي عن قتادة أنه قال : إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف . وقال آخرون : إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله : { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [ الأعراف : 16 ] أمرا وتكليفا بل إباحة ، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة ، وعلى ما هو تكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرا وهو كان ممنوعا عن تناوله ، قال بعضهم : لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكا له فههنا لم يقل الله تعالى : وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك .

المسألة الثانية : أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعونا ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته . واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه ، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه ، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي ، فقالت الملائكة : ما اسمها ؟ قالوا : حواء ، ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي ، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة . فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة .

المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء : { الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } [ النساء : 1 ] وفي الأعراف : { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } [ الأعراف : 189 ] ، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت ) .

المسألة الرابعة : اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية ، هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض ، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى : { اهبطوا مصرا } [ البقرة : 61 ] واحتجا عليه بوجوه أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } [ طه : 120 ] ، ولما صح قوله : { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } [ الأعراف : 20 ] . وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : { وما هم منها بمخرجين } [ الحجر : 48 ] . وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد . ورابعها : أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى : { أكلها دائم وظلها } [ الرعد : 35 ] ولقوله تعالى : { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها } [ هود : 108 ] إلى أن قال : { عطاء غير مجذوذ } [ هود : 108 ] أي غير مقطوع ، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت ، لكنها تفنى لقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } [ القصص : 88 ] ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات ، وخامسها : أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لابد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ، وسادسها : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم ، فدل ذلك على أنه لم يحصل وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له : { اسكن أنت وزوجك الجنة } جنة أخرى غير جنة الخلد . القول الثاني : وهو قول الجبائي : أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى : { اهبطوا منها } [ البقرة : 38 ] ، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى ، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض . القول الثالث : وهو قول جمهور أصحابنا : أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال فلابد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب ، فوجب صرف اللفظ إليها ، والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم .

المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و«أنت » تأكيد المستكن في «اسكن » ليصح العطف عليه و«رغدا » وصف للمصدر أي أكلا رغدا واسعا رافها و«حيث » للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما ، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة .

المسألة السادسة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال ههنا : { وكلا منها رغدا } وقال في الأعراف : { فكلا من حيث شئتما } [ الأعراف : 19 ] فعطف { كلا } على قوله : { اسكن } في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة ؟ والجواب : كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى : { وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا } [ البقرة : 58 ] فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها ، فالدخول موصل إلى الأكل ، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف : { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم } [ الأعراف : 161 ] ، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستانا قد يأكل منه وإن كان مجتازا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول : إن { اسكن } يقال لمن دخل مكانا فيراد منه إلزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه ، ويقال أيضا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ، ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل : أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم .

المسألة السابعة : قوله { ولا تقربا هذه الشجرة } لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان الأول : أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف ، فقال قائلون : هذه الصيغة لنهي التنزيه ، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم ، والأصل عدم الاشتراك فلابد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين ، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه ، لكن الإطلاق فيه كان ثابتا بحكم الأصل ، فإن الأصل في المنافع الإباحة ، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلا على التنزيه ، قالوا : وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول ، وقال آخرون : بل هذا النهي نهي تحريم واحتجوا عليه بأمور . ( أحدها ) أن قوله تعالى : { ولا تقربا هذه الشجرة } كقوله : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [ البقرة : 222 ] وقوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } [ الأنعام : 152 ] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول . ( وثانيها ) أنه قال : { فتكونا من الظالمين } [ البقرة : 35 ] معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } [ الأعراف : 23 ] ( وثالثها ) : أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه ، والجواب عن الأول نقول : إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة ، وعن الثاني : أن قوله : { فتكونا من الظالمين } أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا ، وعن الثالث : أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

البحث الثاني : قال قائلون قوله : { ولا تقربا هذه الشجرة } يفيد بفحواه النهي عن الأكل ، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله ، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب . وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } [ الأعراف : 22 ] ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال : { وكلا منها رغدا حيث شئتما } فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة :

المسألة الثامنة : اختلفوا في الشجرة ما هي ، فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة . وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة فقال : هي الشجرة المباركة السنبلة ، وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم ، وعن مجاهد وقتادة أنها التين ، وقال الربيع بن أنس : كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث . واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضا إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصودا في الكلام ، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثا لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال : شغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته ، فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان ، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى : { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } [ الصافات : 146 ] مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجرا ، قال المبرد : وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجرا في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة يقال : رأيت فلانا في شجرته الرماح وقال تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } [ النساء : 65 ] وتشاجر الرجلان في أمر كذا .

المسألة التاسعة : اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى : { فتكونا من الظالمين } هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير وقد يكون ظالما بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره ، فظلم النفس أعم وأعظم . ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال : الأول : قول الحشوية الذين قالوا : إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلما ، الثاني : قول المعتزلة الذين قالوا : إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان ؛ أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي ، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصا فيما قد استحقه ، الثالث : قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقا وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله . ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة ، فإنه يقال له : يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟ فإن قيل : هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ؟ والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (35)

{ وَقُلْنَا يائادم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } عطف على { إِذَ قُلْنَا } [ البقرة : 4 3 ] بتقدير إذ أو بدونه أو على قلنا والزمان ممتد واسع للقولين ، وتصدير الكلام بالنداء لتنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر وتحريكه لما يخاطب به إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يتوجه إليها ، و( أسكن ) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون ترك الحركة إذ ينافيه ظاهراً { حَيْثُ شِئْتُمَا } وذكر متعلقه بدون في ، وليس بمكان مبهم و{ أَنتَ } توكيد للمستكن في { اسكن } ، والمقصود منه بالذات صحة العطف إذ لولاه لزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في الفصيح على الصحيح ، وإفادة تقرير المتبوع مقصودة تبعاً ، وصح العطف مع أن المعطوف لا يباشره فعل الأمر لأنه وقع تابعاً ، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع ، وقيل : هناك تغليبان تغليب المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث ، ولكون التغليب مجازاً ومعنى السكون والأمر موجوداً فيهما حقيقة خفي الأمر ، فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازاً غير لغوي بأن يكون التجوز في الإسناد ، أو يقال : إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد استعملت في الأعم ، وللتخلص عن ذلك قيل : إنه معطوف بتقدير فليسكن ، وفيه أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد ، والأمر يحتمل أن يكون للإباحة كاصطادوا وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم ، وإيثاره على اسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك ، ولهذا قال بعض المحققين : لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوباً على أنه مفعول معه ، والجنة في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق ذكرها في السورة ، وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه ، ومنها ما في الصحيح من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء حيث شاء الله تعالى منها ، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام وكانت بستاناً في الأرض بين فارس وكرمان ، وقيل : بأرض عدن ، وقيل : بفلسطين كورة بالشام ولم تكن الجنة المعروفة ، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في { اهبطوا مِصْرًا } [ البقرة : 16 ] أو على ظاهره ، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا : لأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قَلِيلاً سلاما سلاما }

[ الواقعة : 5 2 ، 6 2 ] و{ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [ الطور : 3 2 ] { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [ الحجر : 8 4 ] وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج . ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف ، وقد كلف آدم أن لا يأكل من الشجرة ولأن إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لو جيء بالكافر إلى باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستتراً في الجنة على ما فيه لا يفيد ، ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما في بعض الآثار ، ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هذا الجسد الكثيف ، والتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف ، والتزام ما لا يلزم وما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين غير مسلم ، وقيل : كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد ، وقيل : كانت غيرهما ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة ، واحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم اضمحلت مما لا يقدم عليه منصف ، وقيل : الكل ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة ، فالأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به ، وإليه مال صاحب «التأويلات » ، والذي ذهب إليه بعض سادتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل الياقوت تحت خط الاستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا : إنها جنة المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كما ظهرت لنبينا صلى الله عليه وسلم على ما ورد في الصحيح في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ، ولو أن قائلاً قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات . وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام ، فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها/ عند رأسه قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة قال ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ فقالت الملائكة تجربة لعلمه : من هذه ؟ قال : امرأة قالوا : لم سميت امرأة ؟ قال : لأنها خلقت من المراء فقالوا : ما اسمها ؟ قال : حواء قالوا : لم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي .

وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً ، وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجوداً ، وأيضاً في تقديم ( زوجك ) على ( الجنة ) نوع إشارة إليه وفي المثل ، الرفيق قبل الطريق . وأيضاً هي مسكن القلب ، والجنة مسكن البدن ، ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني ، وأثر السدي على ما فيه مما لا يخفى عليك معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول الجنة .

{ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئاً إلا ما سيأتي ، وأصل كُلاَ أأكلا بهمزتين الأولى للوصل ، والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض ، وقيل : حذفا معا لكثرة الاستعمال والرغد بفتح الغين .

وقرأ النخعي بسكونها الهنيّ الذي لا عناء فيه أو الواسع ، يقال : رغد عيش القوم ، ورغد بكسر الغين وضمها كنوا في رزق واسع كثير ، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش ، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي أكلاً رغداً . وقال ابن كيسان : إنه حال بتأويل راغدين مرفهين ، و( حيث ) ظرف مكان مبهم لازم للظرفية ، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش ، ولا يجزم بها دون ( ما ) خلافاً للفراء ، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي ، ولا يقال : زيد حيث عمرو خلافاً للكوفيين ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف ويقال : حايث على قلة وهي هنا متعلقة بِكُلاَ ، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر ، ولم تجعل متعلقة ب { اسكن } ، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له ، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى : { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } [ الأعراف : 19 ] يستدعي ما ذكرنا ، وكذا قوله سبحانه : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } ظاهر هذا النهي التحريم ، والمنهي عنه الأكل من الشجرة ، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة ، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتباً عليه ، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر ، ولم يكتف بأن يقول : ظالمين ، بل قال : { مِنَ الظالمين } بناء على ما ذكروا أن قولك : زيد من العالمين ، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقاً في العلم أباً عن جد ، وإن قلنا بأن ( تكونا ) دالة على الدوام ازدادت المبالغة ، ومن الناس من قال : لا تقرب بفتح الراء نهي عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه ، وقال الجوهري : قرب بالضم يقرب قربا دنا وقربته بالكسر قربانا دونت منه .

والتاء في ( الشجرة ) للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الإزاحة وجاز أن يراد النوع ، وعلى التقديرين اللام للجنس كما في «الكشف » ووقع خلاف في هذه الشجرة ، فقيل : الحنطة ، وقيل : النخلة ، وقيل : شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه وقيل : التين ، وقيل : الحنظل ، وقيل : شجرة المحبة ، وقيل : شجرة الطبيعة والهوى وقيل ، وقيل . . . والأولى : عدم القطع والتعيين كما أن الله تعالى لم يعينها باسمها في الآية ولا أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال : فيها شجرة بكسر الشين وشيرة بإبدال الجيم ياءاً مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض ، وعن أبي عمرو أنه كره شيرة قائلاً : إن برابر مكة وسودانها يقرؤون بها ولا يخفى ما فيه ، والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان ، أو أعم من ذلك لقوله تعالى : { شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } [ الصافات : 146 ] وقوله تعالى : { فَتَكُونَا } إما مجزوم بحذف النون معطوفاً على { تَقْرَبَا } فيكون منهيا عنه وكان على أصل معناها ، أو منصوب على أنه جواب للنهي كقوله سبحانه : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ } [ طه : 1 8 ] والنصب بإضمار ( أن ) عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي ، وبالخلاف عند الكوفيين و( كان ) حينئذ بمعنى صار ، وأياً ما كان من تفهم سببية ما تقدم لكونها ( من الظالمين ) أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود الله تعالى ، ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سبباً للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوباً بعذر كالنسيان هنا مثلاً المشار إليه بقوله تعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 5 11 ] فلا يستدعي حمل النهي على التحريم ، والظلم المقول بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام بالأكل المقرون بالنسيان وإن ترتب عليه ما ترتب نظراً إلى أن حسنات الأبرار سيآت المقربين وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء ، نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر كان ارتكابه حينئذ مخلا ودون إثبات هذا خرط القتاد فإذاً لا دليل في هذه القصة على عدم العصمة ، ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها كما يدعيه المعتزلة القائلون بأن ظهوره مع علمه بالأسماء معجزة على نبوته إذ ذاك . وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب وهو قول أبي هذيل وأبي علي من المعتزلة ولا إلى حمل النهي على التنزيه والظلم على نقص الحظ مثلاً والتزمه غير واحد وقرئ { تَقْرَبَا } بكسر التاء وهي لغة الحجازيين ، وقرأ ابن محيض { هذي } بالياء .