قوله تعالى { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه . الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي ، هذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار ، والجنة للأبرار ، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وقال في سورة التغابن { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } ، فأجابهم الله تعالى بقوله { قل إن الأولين والأخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة . أولها : قوله { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم أن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا ، أولا في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } إلى قوله { وترى الأرض هامدة } ثم قال { ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة { ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } وقال في سورة لا أقسم { ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى } وقال في سورة الطارق { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج } إلى قوله { إنه على رجعه لقادر } . وثانيها قوله { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه } إلى قوله { بل نحن محرومون } وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد ، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة ، ففيهما جميعا أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظا ، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع ، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان إحداهما خفيف صاعد ، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء . ونظيره قوله تعالى في الحج { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } . وثالثها : قوله تعالى { أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟ } وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع ، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع ، فلابد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول . وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها . وثالثها : تسييرها بالرياح . ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز ، وكل ذلك يدل على جواز الحشر . أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد { إن ربكم الله الذي } إلى قوله { قريب من المحسنين } ثم ذكر دليل الحشر فقال { وهو الذي يرسل الرياح } إلى قوله { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } ورابعها : قوله { أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون } وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة ، وأيضا النار لطيفة ، والشجرة كثيفة . وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية ، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة ، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة ، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر } إلى قوله { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } وذكر الأرض في الحج في قوله { وترى الأرض هامدة } فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر . النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى . وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر ، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في البقرة { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ومنها قوله في سبحان الذي { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة } إلى قوله { قل الذي فطركم أول مرة } ومنها في العنكبوت { أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده } ومنها قوله في الروم { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى } ومنها في يس { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } ، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السماوات على اقتداره على الحشر . وذلك في آيات منها في سورة سبحان { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم }
وقال في يس { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } وقال في الأحقاف { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير } ومنها في سورة ق { أئذا متنا وكنا ترابا } إلى قوله { رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } ثم قال { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } . النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لابد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات ، منها في يونس { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط } ومنها في طه { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ومنها في ص { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } . النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى } ومنها قصة إبراهيم عليه السلام { رب أرني كيف تحيي الموتى } ومنها قوله { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال { ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله { وآتيناه أهله } يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال { ويحيي الموتى } وقال { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني } ومنها قوله { أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر ، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى ، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر ، والدليل عليه قوله { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب } ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته ، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجبا للكفر قطعا والله أعلم .
المسألة الثانية : هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين ، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها { أعدت للكافرين } فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى { أعدت للمتقين } ولأنه تعالى قال ههنا { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان .
المسألة الثالثة : اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله { جنات تجري من تحتها الأنهار } والمطعم بقوله { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } والمنكح بقوله { ولهم فيها أزواج مطهرة } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصا فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال { وهم فيها خالدون } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر . ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية .
أما قوله تعالى { وبشر الذين آمنوا } ففيه سؤالات . الأول : علام عطف هذا الأمر ؟ والجواب من وجوه . أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق . وثانيها : أنه معطوف على قوله { فاتقوا } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وثالثها : قرأ زيد بن علي { وبشر } على لفظ المبني للمفعول عطفا على أعدت . السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر ؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام : «بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة » لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث : ما البشارة ؟ الجواب : أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعا لأنهم جميعا أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما { فبشرهم بعذاب أليم } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله { الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل .
المسألة الثانية : من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة ، يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال ، والقول أيضا بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه ، أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارىء مشروطا بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللا بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي ، فإما أن يوجدا معا وهو محال أو يتدافعا فحينئذ يبطل القول بالمحابطة ، وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته ، فإما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثرا في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال ، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص . أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص ، وهو محال ، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب ، وأيضا فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارىء ، أو يزول . أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معا أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لابد وأن يكون موجودا حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معا لوجد المزيلان معا ، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالبا ، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارىء ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثرا في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان . الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا وهذا قول ظاهر السقوط ، الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابا استحقاقا عقليا واجبا ، وهو قول أهل السنة واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات .
المسألة الثالثة : احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع ، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازا .
المسألة الرابعة : الجنة : البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان ، فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار ؟ الجواب : أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات ، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب ، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله { فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } وأما قوله { كلما رزقوا } فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات . أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل : إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا ؟ وههنا سؤالات . السؤال الأول : ما وقع من ثمرة ؟ الجواب فيه وجهان . الأول : هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير ، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . الثاني : وهو أن يكون من ثمرة بيانا على منهاج قولك رأيت منك أسدا تريد أنت أسد ، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة . السؤال الثاني : كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل ، الجواب : لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب . السؤال الثالث : الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك ، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا ، أم من أرزاق الجنة ؟ والجواب فيه وجهان . الأول : أنه من أرزاق الدنيا ، ويدل عليه وجهان ، الأول : أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولا عظم ابتهاجه وفرحه به ، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا ، والدليل الثاني : أن قوله { كلما رزقوا منها } يتناول جميع المرات فيتناول المرة الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لابد وأن يقولوا هذا الذي رزقنا من قبل ، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به فوجب حمله على أرزاق الدنيا ، القول الثاني : أن المشبه به رزق الجنة أيضا والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين . الأول : المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص . الثاني : المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في المنظر يقع في المطعم ، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه إلا بمثله ، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم ، قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك كل ، فاللون واحد والطعم مختلف ، وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة ، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى : ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السماوات وبالجملة يجب أن يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج ، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ظهور تلك السعادات واللذات ، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة والغبطة الكبرى ، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه الأشياء لزوال العائق . أما قوله { وأتوا به متشابها } ففيه سؤالان . السؤال الأول : إلام يرجح الضمير في قوله { وأتوا به } الجواب : إن قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني أتوا بذلك النوع متشابها يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلا منه في الدنيا ، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضا ، فإلى الشيء المرزوق في الجنة ، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضا . السؤال الثاني : كيف موقع قوله { وأتوا به متشابها } من نظم الكلام ؟ والجاب : أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله { وأتوا به متشابها } أما قوله { ولهم فيها أزواج مطهرة } فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة ، ولاسيما ما يختص بالنساء ، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك ، قال أهل الإشارة . وهذا يدل على أنه لابد من التنبه لمسائل . أحدها : أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثا بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى . وثانيها : أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر ، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها . وثالثها : من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه ، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وههنا سؤالان الأول : هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف ؟ الجواب : هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء فعلت . ومنه بيت الحماسة :
وإذا العذارى بالدخان تقنعت *** واستعملت نصب القدور فملت
والمعنى وجماعة أزواج مطهرة ، وقرأ زيد بن علي : مطهرات وقرأ عبيد بن عمير : مطهرة يعني متطهرة . السؤال الثاني : هلا قيل طاهرة ؟ الجواب : في المطهرة إشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى ، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن لأهل الثواب . أما قوله { وهم فيها خالدون } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر ، أما الآية فقوله { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل ، والمنفي غير المثبت ، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء القيس :
وهل يعمن إلا سعيد مخلد *** قليل هموم ما يبيت بأوجال
وقال أصحابنا : الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى { خالدين فيها أبدا } ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد لكان ذلك تكرارا وأما العرف فيقال حبس فلان فلانا حبسا مخلدا أو لأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفا مخلدا فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا ؟ وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعا في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم .
{ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار عقب بالمؤمنين وما لهم جرياً على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف ، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة ، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين ، وهل هو معطوف على { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 3 2 ] إلى { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] أو على { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 4 2 ] الآية قولان ؟ اختار السيد أولهما ، وادعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة ، وادعى لتلائم النظم لأن { ياأيها الناس اعبدوا } [ البقرة : 1 2 ] خطاب عام يشمل الفريقين { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 23 ] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار { وَبَشّرِ } الخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادته ، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق ، والسعد اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم . وقيل عطف على { فاتقوا } [ البقرة : 4 2 ] وتغاير المخاطبين لا يضر ك { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفري } [ يوسف : 9 2 ] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن اتقوا إنذار وتخويف للكفار { وَبَشّرِ } تبشيراً للمؤمنين ، وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم استيجاب منكره العقاب ، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت ، واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير ، فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق ، وقد يقال إن الجزاء ( فآمنوا ) محذوفاً والمذكور قائم مقامه ؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير ، وفيه حث لهم على الإيمان ، ولعله أقل مؤنة . واختار صاحب «الإيضاح » عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة { أُعِدَّتْ } وقيل : عطف على قل قبل { وَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } وتقديره قبل { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } [ البقرة : 1 2 ] يحوج إلى إجراء { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] على طريقة كلام العظماء ، أو تقدير قال الله بعد قل ، والبشارة بالكسر والضم اسم من بشر بشراً وبشوراً وتفتح الباء فتكون بمعنى الجمال ، وفي الفعل لغتان ، التشديد وهي العليا ، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة ، وقرئ بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول ، فإن واحداً كان فعل فيه مغنياً عن فعل ، وفسروها في المشهور ، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المختبر علم به ، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً ، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً وكثر استعماله في الخير ، وصححه في «البحر » { فبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] ظاهر عليه ، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين إلى المساجد » الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعاً لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله ، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً تاماً فإنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم ، وقيل : تغيير للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين ، وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله صلى الله عليه وسلم حلة عبوديته في قوله : { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، وفي ذلك من اللطف به صلى الله عليه وسلم وبهم ما لا يخفى .
وقرأ زيد بن علي ( وبشر ) مبنياً للمفعول وهو معطوف على { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] كما اشتهر ، وقيل : إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفاً ، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ، وجعل صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر ، ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان ، ومتعلق { ءامَنُواْ } مما لا يخفى ، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل ، و( الصالحات ) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحاً وصلاحاً خلاف فسدت ، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه ، وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره ، وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك ، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسماً وأل فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان ، والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد ، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً أو عمل عملاً واحداً غير داخل في الآية ، ومعرفة كونه مبشراً من مواقع أخر ، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلاً كان أو كثيراً ، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد ، وليس هذا توزيعاً في المشهور كركب القوم دوابهم إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد –كالمثال- أو الجمع الواحد- كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } [ المائدة : 6 ] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع .
{ أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } أراد سبحانه : { بِأَنَّ لَهُمُ } الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع أنّ ، وأن بغير عوض لطولهما بالصلة ، ومع غيرهما فيه خلاف مشهور ، وفي المحل بعد الحذف قولان ، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله ، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً لكن بشرط الموت على الإيمان ، والجنة في الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره ، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم ففردوس ، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى( {[150]} ) بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا ، ولا » مما هو مغيب الآن عنا ، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عدداً كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال ، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفاظ ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم ، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع ، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك { إِنَّ لَنَا لأجرا } [ الأعراف : 3 11 ] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير ( من ) كما نص عليه أبو الحسن ، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل من تحت أشجارها أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه ، وقيل : إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف كالقول من تحت أوامر أهلها وقيل : منازلها ، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية كما قيل بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس :
وتحدث الماء الزلال مع الحصى *** فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
والأنهار : جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح ، وأصله الشق ، والتركيب للسعة ولو معنوية كنهر السائل بناءً على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول ، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع ؟ قولان : أشهرهما الأول ، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها ، وتأنيث { تَجْرِى } رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع ، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف ( أولا ، ولا ) والإسناد مجازي ، وأل للعهد الذهني قيل : أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء } [ محمد : 5 1 ] الآية فإنها مكية على الأصح ، وذي مدنية نزلت بعدها ، واستبعده السيد والسعد ، وقيل : عوض عن المضاف إليه أي أنهارها وهو مذهب كوفي ، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج ، ولا يخفى الكلام على جمع القلة .
{ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها ، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف أي هم والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة ، وكون الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين ، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لأسميتها ، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه قيل : ما حالهم في تلك الجنات ؟ فأجيب بأن لهم فيها ثماراً لذيذة عجيبة وأزواجاً نظيفة { وَهُمْ فِيهَا خالدون } وتقدير المبتدأ هو أو هي للشأن أو القصة ليس بشيء بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير ، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة اسمية ، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولاً فبين حالها { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج } زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد ؟ كان أصح وأوضح ، وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من { الذين } أو من { جنات } لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة ، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة ، و{ كُلَّمَا } نصب على الظرفية ب { قَالُواْ } ، و{ رِزْقاً } مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه ، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف ، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له ، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعاً لذيذاً غير ما تعرفونه ، و( من ) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء ، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو إلى وهما ظرفان مستقران واقعان حالاً على التداخل ، وصاحب الأولى : { رِزْقاً } والثانية : ضميره المستكن في الحال ، والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة ، والشائع كونهما لغواً ، والرزق قد ابتدأ من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول : أعطاني فلان ، فيقتل : من أين ؟ فتقول : من بستانه ، فيقول : من أي ثمرة ؟ فتقول : من الرمان ، وتحريره أن { رُزِقُواْ } جعل مطلقاً مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة ، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه ، أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداءً من غير تبعية .
وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع كالتفاح والرمان لا الفرد ؛ لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي أن يكون المرزوق قطعة من لا جميعه وهو ركيك جداً ، ويحتمل أن تكون الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافاً لمن وهم فيه وقع حالاً من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديراً جاز تقديم المبين على المبهم ، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول ، و{ رِزْقاً } مصدر مؤكد أو في موقع الحال من { رِزْقاً } لبعده مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئياً فتأتي الركاكة ههنا ، وجمع سبحانه بين { مِنْهَا } و{ مِن ثَمَرَةٍ } ولم يقل من ثمرها بدل ذلك لأن تعلق { مِنْهَا } يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما تشتهي الأنفس ، وتعلق { مِن ثَمَرَةٍ } يفيد أن المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه ، والإخبار عنه ب ( الذي ) الخ على جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا ، والحكمة في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته .
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوع
وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات ، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما رزقوه هناك إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة ، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم كما روي عن الحسن : «إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك ؟ فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف » أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها " فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم .
/ والمشهور أن كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن ( كلما ) تفيد العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم ، وقيل : كون المراد بها في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم ، على أن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقته –لمتشابها- بعد فإنه في رزق الجنة أظهر ، وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى ، وفي الآية محمل آخر يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة ، وهذا جزاء مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى : { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 55 ] أي جزاءه فالذي رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء كما لا يخفى أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر ، وقيل : أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما يشتمل على معناه لا محل له من الإعراب ، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير ( قد ) وهو شائع ، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهراً الخدم والولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي ( وأتوا ) على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى عليه ، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ } إلى قوله سبحانه : { وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } [ الواقعة : 7 1 0 2 ] والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد من قبل في الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان : { هذا } و{ الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وهو المرزوق في الدارين أي أوتوا بمرزوق الدارين متشابهاً بعضه بالبعض ويسمى هذا الطريق بالكناية الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما ، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه ، وفي «الكشف » أن المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما ، وإما على تقدير أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد .
قال أبو حيان : والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثاً بها عن الجنة وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف ، ولا يعكر على دعوى متشابه ما في الدارين ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء » لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم ، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة ، وبذلك يتحقق التشابه بينهما فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون } صفة ثالثة ورابعة للجنات ، وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدد ، وهاتان بالاسمية لإفادة الدوام ، وترك العاطف في البعض مع إيراده في البعض قيل : للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات ، واختص كل بما اختص به لمناسبة لا تخفى ، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين مستأنفتان ، وجوز أن تكون الثانية حالاً من ضمير الجمع في : ( لهم ) والعامل فيها معنى الاستقرار والأزواج جمع قلة وجمع الكثرة زوجة كعود وعودة ولم يكثر استعماله في الكلام ، قيل : ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعاً ، وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهن ، ويقال : الزوج للذكر والأنثى ، ويكون لأحد المزدوجين ولهما معاً ، ويقال : للأنثى زوجة في لغة تميم وكثير من قيس ، والمراد هنا بالأزواج النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره ، وليس في المفهوم اعتبار التوالد الذي هو مدار بقاء/ النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد ، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثاراً في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام ، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء . ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن ، فإن كن من الحور كما روي عن عبد الله فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي ، وإن كن من بني آدم كما روي عن الحسن : «من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب » فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها .
والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً ، فيكون عاماً هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل ، وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل ، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع ، وقرأ زيد بن علي ( مطهرات ) بناءً على طهرن لا طهرت كما في الأولى ولعلها أولى استعمالاً ، وإن كان الكل فصيحاً لأنهم قالوا : جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة ، فإن كان جمع كثرة فمجيء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات ، وإن كان جمع قلة فالعكس ، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء ك { بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } [ البقرة : 234 ] و{ يُرْضِعْنَ أولادهن } [ البقرة : 233 ] ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة ، ومجيء هذه الصفة مبينة للمفعول ، ولم تأت طاهرة وصف من طهر بالفتح على الأفصح ، أو طهر بالضم ، وعلى الأول قياس ، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهراً وليس سوى الله تعالى ، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه ؟ا وقرأ عبيد بن عمير : { مُّطَهَّرَةٍ } وأصله متطهرة فأدغم ، ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم ، وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل :
أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالاً
أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة ، والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وعندنا البقاء الطويل انقطع أو لم ينقطع ، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا ، وقد شهدت له الآيات والسنن ، والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها ، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر ، والأولية تقدمه على جميع المخلوقات ، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي ، ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال ، ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان جاهلاً تعالى عن ذلك ، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد الفناء ، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن . والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل : البؤس خير من نعيم زائل ، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ، ومعنى : ( الأول والآخر ) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم ، والخلق ليسوا كذلك ، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى ، وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد ؟ أفيقال : إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية ، تباً للجهمية ما أجهلهم ، وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد ، وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة ، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد ؟ على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو فلمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل ، أو إن تحللت فلمَ لا يجوز أن يخلق بدلا تحلل دائماً أبداً ؟ وسبحان القادر الحكيم الذي لا يعجزه شيء .