مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

السؤال الثاني : ما معنى قوله : { لعلي أعمل صالحا } أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك ؟ الجواب : ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل ، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازما بأنه سيتدارك ، ويحتمل أيضا أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين ، فقد قال تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } .

السؤال الثالث : ما المراد بقوله فيما تركت ؟ الجواب : قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤديا لحق الله تعالى منه ، والمعقول من قوله : { تركت } التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحا فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا .

السؤال الرابع : ما المراد بقوله كلا ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا ، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات ، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها : « إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوما على الله ، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار ؟ فيقول لعلي أعمل صالحا فيما تركت ! فيقول فيقول الجبار كلا » . الثاني : يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال : حقا إنها كلمة هو قائلها ، والأقرب الأول .

أما قوله : { إنها كلمة هو قائلها } ففيه وجهان : الأول : أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه . الثاني : أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه .

أما قوله تعالى : { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين { بينهما برزخ لا يبغيان } أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلاقي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت ، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث ، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

{ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } أي في الإيمان الذي تركته ، ولعل للترجي وهو إما راجع للعمل والإيمان لعلمه بعدم الرجوع أو للعمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع فهو كما في قولك : لعلي أربح في هذا المال أو كقولك : لعلي أبني على أس أي أسس ثم أبني ، وقيل : فيما تركت من المال أو من الدنيا جعل مفارقة ذلك تركاً له ، ويجوز أن تكون لعل للتعليل .

/ وفي البرهان حكى البغوي عن الواقدي أن جيمع ما في القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } [ الشعراء : 129 ] فإنها للتشبيه .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك نحوه ، ثم إن طلب الرجعة ليس من خواص الكفار . فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مانع الزكاة وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت . وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول : { رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } » وهذا الخبر يؤيد أن الراد مما تركت المال ونحوه { كَلاَّ } ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها .

{ أَنَّهَا } أي قوله { رَبّ ارجعون } [ المؤمنون : 99 ] الخ { إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه فتقديم المسند إليه للتقوى أو هو قائلها وحده فالتقديم للاختصاص ، ومعنى ذلك أنه لا يجاب إليها ولا تسمع منه بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها حتى كأن المعتد بها شريك لقائلها . ومثل هذا متداول متداول فيقول من كلمة صاحبه بما لا جدوى تحته : اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع يعني أنها مما لا تسمع منك ولا تستحق الجواب . والكلمة هنا بمعنى الكلام كما في قولهم : كلمة الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة . وأما عند اللغويين فقيل حقيقة ، وقيل مجاز مشهور .

والظاهر أن { كَلاَّ } وما بعدها من كلامه تعالى ، وأبعد جداً من زعم أن { كَلاَّ } من قول من عاين الموت وأنه يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم { وَمِن وَرَائِهِمْ } أي أمامهم وقد مر تحقيقه ، والضمير لأحدهم والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ { بَرْزَخٌ } حاجز بينهم وبين الرجعة { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } من قبورهم وهو يوم القيامة ، وهذا تعليق لرجعتهم إلى الدنيا بالمحال كتعليق دخولهم الجنة بقولهم سبحانه : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] وعن ابن زيد أن المراد من ورائهم حاجز بين الموت والبعث في القيامة من القبور باق إلى يوم يبعثون ، وقيل : حاجز بينهم وبين الجزاء التام باق إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم جوزوا على أتم وجه .