مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا} (42)

قوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ، استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله }

لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه حيث إنهم كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا وقالوا : إنما نكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكونه كاذبا ، ولو تبين لنا كونه رسولا لآمنا كما قال تعالى عنهم : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } وهذا مبالغة منهم في التكذيب ، كما أن من ينكر دين إنسان قد يقول والله لو علمت أن له شيئا علي لقضيته وزدت له ، إظهارا لكونه مطالبا بالباطل ، فكذلك ههنا عاندوا وقالوا والله لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم فلما جاءهم نذير أي محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم أي صح مجيؤه لهم بالبينة ما زادهم إلا نفورا ، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا كافرين بالله ورسوله ولأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا ، بعد الرسالة وقال بعض المفسرين : إن أهل مكة كانوا يلعنون اليهود والنصارى على أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم وقالو لو جاءنا رسول لأطعناه واتبعناه ، وهذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر مطلقا ، فكيف كانوا يعترفون بالرسل ، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وما جاءهم كتاب ولولا كتاب الله وبيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئا وكذبوا في شيء ؟ بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره وإنما ننكر كون محمد رسولا من حيث إنه كاذب ولو صح كونه رسولا لآمنا وقوله : { فلما جاءهم } أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة ، وفي قوله : { أهدى } وجهان أحدهما : أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه وعلى هذا فقوله : { من إحدى الأمم } للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا قوله تعالى : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } أي صاروا أضل مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى وثانيهما : أن يكون المراد أن نكون أهدى من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو ، وفي الأمم وجهان أحدهما : أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم وفيه تعريض وثانيهما : أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ومن كان في زمانهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا} (42)

{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم { لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الامم } الضمائر لقريش ، وذلك أنهم بلغهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا : لعن الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فكان منهم بعد ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية { وَلَئِنِ جَاءهُمُ } جاء على المعنى وإلا فهم قالوا : { جَاءنَا } وكذا { لَّيَكُونُنَّ } وإحدى بمعنى واحدة ، والظاهر أنها عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم ، وتعريف { الامم } للعهد والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم فنؤمن جميعاً ولا يكذب أحد منا أو المعنى لنكونن أهدى من أمة يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها من الأمم كما يقال هو واحد القوم وواحد عصره وكما قالوا هو أحد الأحدين وهي إحدى الأحد يريدون التفضيل في الدعاء والعقل ، قال الشاعر :

حتى استشاروا بي إحدى الأحد *** ليثا هزبرا ذا سلاح معتد

وقد نص ابن مالك في التسهيل على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الأحد لكن قال الدماميني في شرحه : إنما ثبت استعماله في احدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كاحدى الأحد وأحد الأحدين أو المضاف إلى وصف كاحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل ، وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافة أصلا فإنهم يقولون للداهية العظيمة هي إحدى من سبع أي احدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر .

وقال صاحب الكشف : إن دلالة { إِحْدَى الامم } على التفضيل ليست بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب . أو يرتبط بعض النفوس حمامها . يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله ، وفيه أنه متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح .

{ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ } وأي نذير وهو أشرف الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس . وقتادة وهو الظاهر ، وعن مقاتل هو انشقاق القمر وهو أخفي من السها والمقام عنه يأبى { مَّا زَادَهُمْ } أي النذير أو مجيئه { إِلاَّ نُفُورًا } تباعدا عن الحق وهرباً منه ، وإسناد الزيادة إلى ذلك مجاز لأنه هو السبب لها . والجملة جواب لما .

واستدل بالآية على حرفيتها لمكان النفي المانع عن عمل ما بعده فيها ، وفيه بحث .