مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا} (43)

ثم قال تعالى : { استكبارا في الأرض } ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون حالا أي مستكبرين في الأرض وثانيها : أن يكون مفعولا له أي للاستكبار وثالثها : أن يكون بدلا عن النفور وقوله : { ومكر السيء } إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكرا سيئا ثم عرف لظهور مكرهم ، ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيء لكون السوء فيه أبين الأمور ، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى :

{ والذين يمكرون السيئات } أي يعملون السيئات ، ومكرهم السيء ، وهو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول في الإيمان وإظهار الإنكار ، ثم قال : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } أي لا يحيط إلا بفاعله وفي قوله : { ولا يحيق } وقوله : { إلا بأهله } فوائد ، أما في قوله : { يحيق } فهي أنها تنبئ عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق وفيه من التحذير ما ليس في قوله ولا يلحق أو ولا يصل ، وأما في قوله : { بأهله } ففيه ما ليس في قول القائل ولا يحيق المكر السيء إلا بالماكر ، كي لا يأمن المسيء فإن من أساء ومكره سيء آخر قد يلحقه جزاء على سيئه ، وأما إذا لم يكن سيئا فلا يكون أهلا فيأمن المكر السيء ، وأما في النفي والإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السيء يحيق بأهله ، فلا ينبئ عن عدم الحيق بغير أهله ، فإن قال قائل : كثيرا ما نرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك ، فنقول الجواب عنه من وجوه أحدها : أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم ، حيث قتلوا يوم بدر وغيره وثانيها : هو أن نقول المكر السيء عام وهو الأصح فإن النبي عليه السلام نهى عن المكر وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله » وعلى هذا فذلك الرجل الممكور به ( لا ) يكون أهلا فلا يرد نقضا وثالثها : أن الأمور بعواقبها ، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ، ويبين هذا المعنى قوله تعالى : { فهل ينظرون إلا سنة الأولين } يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها ، فيهلكون كما هلك الأولون .

وقوله تعالى : { فهل ينظرون إلا سنة الأولين } أي ليس لهم بعد هذا إلا انتظار الإهلاك وهو سنة الأولين وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله بالأولين ، فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمرا عجبت من ضرب عمرو كيف ضرب مع ماله من العزم والقوة وعجبت من ضرب زيد كيف ضرب مع ماله من العلم والحكمة فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها سنة سنت بهم وأضافها إلى نفسه بعدها بقوله :

{ فلن تجد لسنة الله تبديلا } لأنها سنة من سنن الله ، إذا علمت هذا فنقول أضافها في الأول إليهم حيث قال : { سنة الأولين } لأن سنة الله الإهلاك بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيهما فإذا قال سنة الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله ، لأنها لما علمت فالإضافة إلى الله تعظمها وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع وثانيهما : أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم عن الإقرار ، وسنة الله استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال : أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين والله يأتي بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها .

المسألة الثانية : التبديل تحويل فما الحكمة في التكرار ؟ نقول بقوله : { فلن تجد لسنة الله تبديلا } حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره ، وبقوله : { ولن تجد لسنة الله تحويلا } حصل العلم بأن العذاب مع أنه لا تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسيء .

المسألة الثالثة : المخاطب بقوله : { فلن تجد } يحتمل وجهين وقد تقدم مرارا أحدهما : أن يكون عاما كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة الله تبديلا والثاني : أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فكأنه قال : سنة الله أنه لا يهلك ما بقي في القوم من كتب الله إيمانه ، فإذا آمن من في علم الله أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح : { إنك إن تذرهم } أي تمهل الأمر وجاء وقت سنتك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا} (43)

وقوله تعالى : { استكبارا في الأرض } بدل من { نُفُورًا } وقال أبو حيان : الظاهر أنه مفعول من أجله ، ونقل الأول عن الأخفش ، وقيل : هو حال أي مستكبرين { وَمَكْرَ } هو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له ، وقال قتادة هو الشرك وروي ذلك عن ابن جريرج ، وهو عطف على { واستكبروا استكبارا } وأصل التركيب وأن مكروا الشيء على أن { السيء } صفة لموصوف مقدر أي المكر المسيء ثم أقيم المصدر مقام أن والفعل وأضيف إلى ما كان صفة ، وجوز أن يكون عطفاً على { إِلاَّ نُفُورًا } وقرأ الأعمش . وحمزة { السيء } باسكان الهمزة في الوصل إجراء له مجرى الوقف أو لتو إلى الحركات وإجراء المنفصل مجرى المتصل ، وزعم الزجاج أن هذه القراءة لحن لما فيها من حذف الاعراب كما قال أبو جعفر .

وزعم محمد بن زيد أن الحذف لا يجوز في نثر ولا شعر لأن حركات الاعراب دخلت للفرق بين المعاني ، وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش قرأ بها ، وقال : إنما كان يقف على هذه الكلمة فغلط من أدى عنه ، والدليل على هذا أنها تمام الكلام ولذا لم يقرأ في نظيرها كذلك مع أن الحركة فيه أثقل لأنها ضمة بين كسرتين ، والحق أنها ليست بلحن ، وقد أكثر أبو علي في الحجة من الاستشهاد والاحتجاج للإسكان من أجل توالي الحركات والوصل بنية الوقف ، وقال ابن القشيري : ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أنه قرئ به فلا بد من جوازه ولا يجوز أن يقال لحن ، ولعمري أن الإسكان ههنا أحسن من الإسكان في { إلى بَارِئِكُمْ } كما في قراءة أبي عمرو ، وروي عن ابن كثير { وَمَكْرَ } بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة وهو مقلوب السيء المخفف من السيء كما قال الشاعر :

ولا يجزون من حسن بسيء *** ولا يجزون من غلظ بلين

وقرأ ابن مسعود { مَكْرًا سَيّئاً } عطف نكرة على نكرة { وَلاَ يَحِيقُ المكر } أي لا يحيط { السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } .

وقال الراغب : أي لا يصيب ولا ينزل ، وأياً ما كان فهو إنما ورد فيما يكره ، وزعم بعضهم أن أصل حلق حق فجيء بدل أحد المثلين بالألف نحو ذم وذام وزل وزال ، وهذا من ارسال المثل ومن أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ، وعن كعب أنه قال لابن عباس : قرأت في التوراة من حفر مغواة وقع فيها قال : أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى فقرأ الآية ، وفي الخبر «لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله تعالى يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً فإن الله سبحانه يقول { إنما بغيكم على أنفسكم } [ يونس : 23 ] » وقد حاق مكر هؤلاء بهم يوم بدر .

والآية عامة على الصحيح والأمور بعواقبها والله تعالى يمهل ولا يهمل ووراء الدنيا الآخرة وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، وبالجملة من مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهرففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك ، أسأل الله تعالى بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يدفع ويرفع عنا مكر الماكرين وأن يعاملهم في الدارين بعدله إنه سبحانه القوى المتين . وقرئ { وَلاَ يَحِيقُ } بضم الياء { المكر } بالنصب على أن يحيق من أحاق المتعدى وفاعله ضمير راجع إليه تعالى و { يَحِيقُ المكر } مفعوله { فَهَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينتظرون ، وهو مجاز بجعل ما يستقبل بمنزلة ما ينتظر ويتوقع { إِلا سُنَّتُ الاولين } أي إلا سنة الله تعالى فيهم بتعذيب مكذبيهم .

{ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } بأن يضع سبحانه موضع العذاب { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً } بأن ينقل عذابه من المكذبين إلى غيرهم ، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من مجيئه ، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني ، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما ، والخطاب عام أو خاص به عليه الصلاة والسلام .