ثم قال تعالى : { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } .
المسألة الأولى : إن شئت عطفت { الذين } في هذه الآية على { الذين } في الآية التي قبلها ، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله : { للكافرين عذابا مهينا } .
المسألة الثانية : قال الواحدي : نزلت في المنافقين ، وهو الوجه لذكر الرئاء ، وهو ضرب من النفاق .
وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأولى أن يقال : إنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى أرباب الحاجات ، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان : فالأول : هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال البتة ، وهم المذمومون في قوله : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } والثاني : الذين ينفقون أموالهم ، لكن لا لغرض الطاعة ، بل لغرض الرياء والسمعة ، فهذه الفرقة أيضا مذمومة ، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول . وهو إنفاق الأموال لغرض الإحسان .
ثم قال تعالى : { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } . والمعنى : أن الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } وبين تعالى أنه بئس القرين ، إذ كان يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } .
{ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس } أي للفخار ولما يقال لا لوجه الله العظيم المتعال ، والموصول عطف على نظيره أو على الكافرين ، وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الانفاق لا على ما ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في الشناعة واستجلاب الذم ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي قرينهم الشيطان كما يدل عليه الكلام الآتي . { وَرِئَاء } مصدر منصوب على الحال من ضمير { يُنفِقُونَ } وإضافته إلى الناس من إضافة المصدر لمفعوله أي مرائين الناس { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله } القادر على الثواب والعقاب { وَلاَ باليوم الاخر } الذي يثاب فيه المطيع ويعاقب العاصي ليقصدوا بالإنفاق ما تورق به أغصانه ويجتنى منه ثمره وهم اليهود ، وروي ذلك عن مجاهد ، أو مشركو مكة أو المنافقون كما قيل . { وَمَن يَكُنِ الشيطان } والمراد به إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة من قبيلته ، والناس التابعين له أو من القوى النفسانية والهوى وصحبة الأشرار ، أو من النفس والقوى الحيوانية وشياطين الإنس والجن { لَهُ قَرِيناً } أي صاحباً وخليلاً في الدنيا { فَسَاء } فبئس الشيطان أو القرين . { قَرِيناً } لأنه يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار وساء منقولة إلى باب نعم ، وبئس فهي ملحقة بالجامدة ؛ فلذا قرنت بالفاء ، ويحتمل أن تكون على بابها بتقدير قد كقوله سبحانه : { وَمَن جَاء بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار } [ النمل : 90 ] والغرض من هذه الجملة التنبيه على أن الشيطان قرينهم فحملهم على ذلك وزينه لهم ، وجوز أن يكون وعيداً لهم بأن يقرن بهم الشيطان يوم القيامة في النار فيتلاعنان ويتباغضان وتقوم لهم الحسرة على ساق . .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم } أي يبرزون كمالاتهم { رِئَاء الناس } مرائين الناس بأنها لهم { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله } الإيمان الحقيقي ليعلموا أن لا كمال إلا له { وَلاَ باليوم الآخر } أي الفناء فيه سبحانه ليرزوا لله الواحد القهار { وَمَن يَكُنِ الشيطان } النفس وقواها { لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً } [ النساء : 38 ] لأنه يضله عن الحق كهؤلاء
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.