مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (8)

ولما بين أنهم يسمون المعجزة بالسحر بين أنهم متى سمعوا القرآن قالوا إن محمدا افتراه واختلقه من عند نفسه ، ومعنى الهمزة في أم للإنكار والتعجب كأنه قيل دع هذا واسمع القول المنكر العجيب ، ثم إنه تعالى بين بطلان شبهتهم فقال إن افتريته على سبيل الفرض ، فإن الله تعالى يعاجلني بعقوبة بطلان ذلك الافتراء وأنتم لا تقدرون على دفعه عن معاجلتي بالعقوبة فكيف أقدم على هذه الفرية ، وأعرض نفسي لعقابه ؟ يقال فلان لا يملك نفسه إذا غضب ولا يملك عنانه إذا صمم ، ومثله { فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم } ، { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «لا أملك لكم من الله شيئا » .

ثم قال تعالى : { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى ، { كفى به شهيدا بيني وبينكم } يشهد لي بالصدق ويشهد عليكم بالكذب والجحود ، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد لهم على إقامتهم في الطعن والشتم .

ثم قال : { وهو الغفور الرحيم } بمن رجع عن الكفر وتاب واستعان بحكم الله عليهم مع عظم ما ارتكبوه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (8)

{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما هو أشنع منها وهو الكذب عمداً على الله تعالى فإن الكذب خصوصاً عليه عز وجل متفق على قبحه حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه بخلاف السحر فإنه وإن قبح فليس بهذه المرتبة حتى تكاد تعد معرفته من الأمور المرغوبة ، وما في { أَمْ } المنقطعة من الهمزة معنى للإنكار التوبيخي المتضمن للتعجب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم : هو سحر لعجزهم عنه ، والضمير المنصوب في { افتراه } كما قال أبو حيان { لِلْحَقّ } [ الأحقاف : 7 ] الذي هو الآيات المتلوة ، وقال بعضهم : للقرآن الدال عليه ما تقدم أي بل أيقولون افتراه .

{ قُلْ إِنِ افتريته } على الفرض { فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً } أي عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء عليه سبحانه فلا تقدرون على كفه عز وجل عن معالجتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه عني فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه ، فجواب { إن } في الحقيقة محذوف وهو عاجلني وما ذكر مسبب عنه أقيم مقامه أو تجوز به عنه { هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } بالذي تأخذون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وافتراءً أخرى ، واستعمال الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه قولاً كان أو فعلاً مجاز مشهور ، وأصلها إسالة الماء يقال : أفاض الماء إذا أساله ، وما أشرنا إليه من كون { مَا } موصولة وضمير فيه عائد عليه هو الظاهر وجوز كون { مَا } مصدرية وضمير { فِيهِ } للحق أو للقرآن { كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } حيث يشهد لي سبحانه بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود ، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم في الطعن في الآيات ، واستؤنف لأنه في جواب سؤال مقدر ، و { بِهِ } في موضع الفاعل بكفى على أصح الأقوال ، و { شَهِيداً } حال و { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } متعلق به أو بكفى { وَهُوَ الغفور الرحيم } وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم سبحانه بالعقوبة وأمهلهم ليتداركوا أمورهم