البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (8)

{ أم يقولون افتراه } : أي بل يقولون افتراه ، أي بل أيقولون اختلقه ؟ انتقلوا من قولهم : { هذا سحر } إلى هذه المقالة الأخرى .

والضمير في افتراه عائد إلى الحق ، والمراد به الآيات .

{ قل إن افتريته } ، على سبيل الفرض ، فالله حسبي في ذلك ، وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه ، ولا يمهلني ؛ { فلا تملكون لي } عقوبة الله بي شيئاً .

فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه ؟ يقال : فلان لا يملك إذا غضب ، ولا يملك عنانه إذا صم ؛ ومثله : { فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم } { ومن يريد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً } ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا أملك لكم من الله شيئاً » ثم استسلم إلى الله واستنصر به فقال : { هو أعلم بما تفيضون فيه } : أي تندفعون فيه من الباطل ، ومراده الحق ، وتسميته تارة سحراً وتارة فرية .

والضمير في فيه يحتمل أن يعود على ما ، أو على القرآن ، وبه في موضع الفاعل يكفي على أصح الأقوال .

{ شهيداً بيني وبينكم } : شهيد إليّ بالتبليغ والدعاء إليه ، وشهيد عليكم بالتكذيب .

{ وهو الغفور الرحيم } : عدة لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر ، وإشعار بحلمه تعالى عليهم ، إذ لم يعاجلهم بالعقاب ، إذ كان ما تقدم تهديداً لهم في أن يعاجلهم على كفرهم .