قوله تعالى : { مثل الجنة التي وعد المتقون } .
لما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما ، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه ، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله ، وفي التفسير مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { مثل الجنة } يستدعي أمرا يمثل به فما هو ؟ نقول فيه وجوه : ( الأول ) قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة ، وذلك لا يقتضي ممثلا به ، وعلى هذا ففيه احتمالان ( أحدهما ) أن يكون الخبر محذوفا ويكون { مثل الجنة } مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة ، ثم يستأنف ويقول { فيها أنهار } ، وكذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى : { تجري من تحتها الأنهار } ابتداء بيان ( والاحتمال الثاني ) أن يكون فيها أنهار وقوله { تجري من تحتها } خبرا كما يقال صف لي زيدا ، فيقول القائل : زيد أحمر قصير ، والقول الثاني : أن المثل زيادة والتقدير : الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار . ( الوجه الثاني ) هاهنا الممثل به محذوف غير مذكور وهو يحتمل قولين ( أحدهما ) قال الزجاج حيث قال : { مثل الجنة } جنة تجري { فيها أنهار } كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيدا ( الثاني ) من القولين هو أن يقال معناه { مثل الجنة التي وعد المتقون } مثل عجيب ، أو شيء عظيم أو مثل ذلك ، وعلى هذا يكون قوله { فيها أنهار } كلاما مستأنفا محققا لقولنا مثل عجيب ( الوجه الثالث ) الممثل به مذكور وهو قول الزمخشري حيث قال : { كمن هو خالد في النار } مشبه به على طريقة الإنكار ، وحينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو ، وكذلك على أحد التأويلين ، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر ، وكذلك هاهنا كأنه تعالى قال : مثل الجنة كمن هو خالد في النار ، وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فيها أنهار } وما بعد هذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده علم وله أصل عمرو .
قوله تعالى : { فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } .
اختار الأنهار من الأجناس الأربعة ، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه ، وإما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم ، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة : المر والمالح والحريف والحامض والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها الحلو والدسم ، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن ، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب ، فإن الدهن لا يؤكل ولا يشرب كما هو في الغالب ، وأما اللبن فيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكل وبه تغذية الحيوان أولا فذكره الله تعالى ، وأما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء والخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله ، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواتر به ثم عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها وتتغير بها الدنيا فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا بقي زمانا تغير طعمه ، والخمر يكرهه الشارب عند الشرب ، والعسل يشوبه أجزاء من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيرا ، ثم إن الله تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذي يشرب لا للطعم وهو عام الشرب ، وقرن به اللبن الذي يشرب لطعمه وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن ، ثم ذكر الخمر الذي يشرب لا للطعم وهو قليل الشرب ، وقرن به العسل الذي يشرب للطعم وهو قليل الشرب ، فإن قيل العسل لا يشرب ، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان ، ألا ترى أن السكنجبين من «سركه وانكبين » وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولا من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في زمان متأخر ، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قال في الخمر { لذة للشاربين } ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر ، فقال : { لذة للشاربين } بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال : { لذة } أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم ، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس ، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك ، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعما واحدا وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة ، وقوله { لذة } يحتمل وجهين : ( أحدهما ) أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة ( وثانيهما ) أن يكون ذلك وصفا بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله وللعاقل كله .
ثم قال تعالى : { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم } .
بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول ، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم ، وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد { مثل الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها } حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وهاهنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها { وظلها } ولم يقل هاهنا ذلك ، نقول قال هاهنا { ومغفرة } والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك ، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير ، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد .
المسألة الثالثة : المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين : ( الأول ) ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ، بل يكون عطفا على قوله ( لهم ) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها ( والثاني ) هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها عليها حساب أو عقاب ، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ، فقال : { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة } لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره : يا معلم غفر الله لك ، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل ، وأما في الدنيا ، فلأن للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم .
قوله تعالى : { كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } وفيه أيضا مسائل :
المسألة الأولى : على قول من قال : { مثل الجنة } معناه وصف الجنة فقوله { كمن هو } بماذا يتعلق ؟ نقول قوله { لهم فيها من كل الثمرات } يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار ، فالمشبه يكون محذوفا مدلولا عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار .
المسألة الثانية : قال الزجاج قوله تعالى : { كمن هو خالد في النار } راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا ؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه ، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلا عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف { كمن هو خالد } على { كمن زين له سوء عمله } أو { كمن هو خالد في النار } ، وأما التعسف فبين نظرا إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به ، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال : أفمن كان على بينة كمن هو خالد ؟ وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك ، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضا يصير مستقلا في التشبيه ، اللهم إلا أن يقابل المجموع بالمجموع كأنه يقول : أفمن كان على بينة من ربه ، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه ، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار ، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية ، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماء حميما وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما ، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب .
المسألة الثالثة : قال : { كمن هو خالد } حملا على اللفظ الواحد وقال : { وسقوا ماء حميما } على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل { كمن زين له سوء عمله } على التوحيد والإفراد { واتبعوا أهواءهم } على الجمع فما الوجه فيه ؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلا فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع ، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولا ، لأن اللفظ لا يبقى في السمع ، والمعنى يبقى في ذهن السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى ، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع { من ءامن وعمل صالحا } و{ فمن تاب . . . وأصلح } ؟ نقول إذا كان المعطوف مفردا أو شبيها بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال : كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله { سقوا ماء } جملة غير مشابهة لقوله { هو خالد } وقوله تعالى : { وسقوا ماء حميما } بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن ، ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله { على بينة } في مقابلة { زين له سوء عمله } و{ من ربه } في مقابلة قوله { واتبعوا أهواءهم } والجنة في مقابلة النار في قوله { خالد في النار } والماء الحميم في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة } فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها ، كأنه قال : للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد .
المسألة الرابعة : الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة ، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع ، فإن قيل قوله تعالى : { فقطع } بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر ، نقول نعم ، لكنه لا يقتضي أن يقال : يقطع ، لأنه ماء حميم فحسب ، بل ماء حميم مخصوص يقطع .
{ مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } إلى آخره استئناف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفاً للمؤمنين وبيان كيفية أنهارها التي أشير إلى جريانها من تحتها وعبر عنهم بالمتقين إيذاناً بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات وترك السيآت ، والمثل الوصف العجيب الشأن وهو مبتدأ باتفاق المعربين ، واختلف في خبره فقيل محذوف فقال النضر بن شمير : تقديره ما تسمعون ، وقوله عز وجل : { فِيهَا أَنْهَارٌ } إلى آخره مفسر له ، وقال سيبويه : تقديره فيما يتلى عليكم أو فيما قصصنا عليك ويقدر مقدماً { وَفِيهَا أَنْهَارٌ } الخ بيان لذلك المثل ، وقدره ابن عطية ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف وليس بذاك ، ولعل الأنسب بصدر النظم الكريم تقدير النضر ، وقيل : هو مذكور فقيل هو قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ } الخ على معنى مثل الجنة وصفتها مضمون هذا الكلام ولا يحتاج مثل هذا الخبر إلى رابط .
وقيل هذه الجملة هي الخبر إلا أن لفظ { مَثَلُ } زائدة زيادة اسم في قول من قال :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *** فالمبتدأ في الحقيقة هو المضاف إليه فكأنه قيل : الجنة فيها أنهار الخ وليس بشيء ، وقيل : الخبر قوله تعالى الآتي : { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام فيه . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وعبد الله . والسلمي { أصحاب الجنة } أي صفاتها ، قال ابن جني : وهذا دليل على أن قراءة العامة بالتوحيد معناها الكثرة لما في مثل من معنى المصدرية ولذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال وبامرأة مثل رجل ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضاً أنه قرئ { أصحاب الجنة } ومثال الشيء في الأصل نظيره الذي يقابل به .
{ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } أي غير متغير الطعم والريح لطول مكث ونحوه ، وماضيه أسن بالفتح من باب ضرب ونصر وبالكسر من باب علم حكى ذلك الخفاجي عن أهل اللغة . وفي «البحر » أسن الماء تغير ريحه يأسن ويأسن ذكره ثعلب في الفصيح ، والمصدر أسون ، وأسن بسكر السين يأسن بفتحها لغة أسنا قاله اليزيدي ، وأسن الرجل بالكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة منها فغشي عليها أو دار رأسه ومنه قول الشاعر :
قد أترك القرن مصفراً أنامله *** يميد في الريح ميد المائح الأسن
وقرأ ابن كثير . وأهل مكة { ءاسِنٍ } على وزن حذر فهو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة ، وقرأ { يسن } بالياء قال أبو علي : وذلك على تخفيف الهمزة { ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } لم يحمض ولم يصر قارصاً ولا حذاراً كألبان الدنيا وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم { وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين } أي لذيذة لهم ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا فإنها لا لذة في نفس شربها وفيها من المكاره والغوائل ما فيها وهي صفة مشبهة مؤنث لذ وصفت بها الخمر لأنها مؤنثة وقد تذكر أومصدر نعت به بتقدير مضاف أو بجعلها عين اللذة مبالغة على ما هو المعروف في أمثال ذلك ؛ وقرئت بالرفع على أنها صفة { أَنْهَارٌ } وبالنصب على أنها مفعول له أي كائنة لأجل اللذة لا لشيء آخر من الصداع وسائر آفات خمور الدنيا { وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } مما يخالفه فلا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها ، ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما يذكر ويؤنث كما نص عليه أبو حيان .
وغيره ، وهذا على ما قيل تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها أو يستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينقصها وينغصها والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها .
وبدىء بالماء لأنه في الدنيا مما لا يستغني عنه ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر بالرتبة ، وجاء عن ابن عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب ، وقال سعيد بن جبير : أنه لم يخرج من بين فرث ودم وإن خمرها لم تدسها الرجال بأرجلها وإن عسلها لم يخرج من بطون النحل . وأخرج ابن جرير عن سعد قال : سألت أبا إسحق عن قوله تعالى : { مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } فقال : سألت عنه الحرث فحدثني أن ذلك الماء تسنيم وقال بلغني : أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل الفم .
وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن الكلبي أن نهر دجلة نهر الخمر في الجنة وأن عليه إبراهيم عليه السلام ونهر جيحون نهر الماء فيها ويقال له نهر الرب ونهر الفرات نهر اللبن وأنه لذرية المؤمنين ونهر النيل نهر العسل .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في «مسنده » . والبيهقي عن كعب قال : نهر النيل نهر العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر ونهر سيحان نهر الماء في الجنة . وأنت تعلم أن المذكور في الآية لكل أنهار بالجمع والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخيار ونحوها ، ثم إنها إن صحت لا يبعد تأويلها وإن كانت القدرة الإلهية لا يتعاصاها شيء { وَلَهُمْ فِيهَا } مع ما ذكر من فنون الأنهار { مِن كُلّ الثمرات } أي أنواع من كل الثمرات فالجار والمجرور صفة مبتدأ مقدر وقدره بعضهم زوجان وكأنه انتزعه من قوله تعالى :
{ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } [ الرحمن : 52 ] وقيل : { مِنْ } زائدة أي ولهم فيها كل الثمرات { وَمَغْفِرَةٌ } مبتدأ خبره محذوف والجملة عطف على الجملة السابقة أي ولهم مغفرة ، وجوز أن يكون عطفاً على المبتدأ قبل بدون قيد فيها لأن المغفرة قبل دخول الجنة أو بالقيد والكلام على حذف مضاف أي ونعيم مغفرة أو جعل المغفرة عبارة عن أثرها وهو النعيم أو مجازاً عن رضوان الله عز وجل ، وقد يقال : المراد بالمغفرة هنا ستر ذنوبهم وعدم ذكرها لهم لئلا يستحيوا فتتنغص لذتهم والمغفرة السابقة ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها وحينئذٍ العطف على المبتدأ من غير ارتكاب شيء مما ذكر ، وقد رأيت نحو هذا بعد كتابته للطبرسي مقتصراً عليه ولعله أولى مما قالوه ، وتنوين { مَغْفِرَةٍ } للتعظيم أي مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها ، وقوله تعالى : { مّن رَّبّهِمُ } متعلق بمحذوف صفة لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة من ربهم ، وقوله عز وجل : { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى : { والنار مَثْوًى لهم } [ محمد : 12 ] لهم ، وجوز أن يكون بدلاً من قوله سبحانه : { كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } [ محمد : 14 ] وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بينة في الآخرة تقريراً لإنكار المساواة وفيه بعد . وذهب جار الله إلى أنه خبر { مَّثَلُ الجنة } وأن ذاك مرتب على الإنكار السابق أعني قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ } [ محمد : 14 ] الخ ، والمعنى أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار فالمضافان محذوفان الجزاء بقرينة مقابلة الجنة ولفظ المثل بقرينة تقدمه ومثله كثير ، وفائدة التعرية عن حرف الإنكار أن من اشتبه عليه الأول أعني حال المتمسك بالبينة وحال التابع لهواه فالثاني مثله عنده وإذ ذاك لا يستحق الخطاب ، ونظير ذلك قول حضرمي بن عامر :
أفرح إن أرزأ الكرام وإن *** أورث ذوداً شصائصا نبلا
فإنه كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه من حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم من قال له : أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله وذلك من التسليم الذي يقل تحته كل إنكار ، وجعل قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ } كالتكرير للصلة أي صلة بعد صلة يتضمن تفصيلها لأنه كالتفصيل للموعود ، ولهذا لم يتخلل العاطف بينهما ، وجوز أن يكون في موضع الحال على أن الظرف في موضع ذلك و { أَنْهَارٌ } فاعله لا على أنه مبتدأ والظرف خبر مقدم والجملة الاسمية حال لعدم الواو فيها ، وقد صرحوا بأن الاكتفاء فيها بالضمير غير فصيح ، واعتبارها فعلية بتقدير متعلق الظرف استقر لا يخفى حاله ، وقيل : في الحال ضعف من حيث المعنى لمجيئه مجيء الفضلات وهي أم الإنكار ، وأيضاً هو حال من الجنة لا من ضميرها في الصلة وفي العامل تكلف ، ثم الحال غير مقيدة وجعلها مؤكدة وقد علم كونها كذلك من إخباره تعالى فيه أيضاً تكلف ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف بياني ، قال في «الكشف » : وهو الوجه ، والتقدير هي فيها أنها وكأنه قيل : أنى يكون صفة الجنة وهي كذا وكذا كصفة النار فالاستئناف ههنا بمنزلة قولك : وهي كذا وكذا اعتراضاً لما في لفظ المثل من الأشعار بالوصف العجيب ، وليس خبر الجملة السابقة { وَهُوَ * كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } مورد السؤال ليعترض بوقوع الاستئناف قبل مضيه .
وأورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن { فِيهَا أَنْهَارٌ } جملة برأسها ، والجواب أن التقدير مثلها فيها أنهار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعاً ثم حذف ولهذا قال : في السؤال كأن قائلاً قال : وما مثلها ؟ ويجري ما قرر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه { أمثال } بالجمع فيقال : التقدير أمثال الجنة كأمثال جزاء من هو خالد في النار ، ويقدر المضاف الأول جمعاً للمطابقة ، ولعمري لقد أبعد جار الله المغزى ، وقد استحسن ما ذكره كثير من المحققين قال صاحب الكشف بعد تقرير جعل { كَمَنْ هُوَ خالد } خبر لمثل الجنة : هذا هو الوجه اللائح المناسب للمساق .
وقال ابن المنير : في الانتصاف بعد نقله كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها لا يعوزها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفاً ليتعادل ، والتقدير مثل ساكن الجنة كمن هو خالد في النار ، ومن هذا النمط قوله تعالى : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله } [ التوبة : 19 ] الخ ؛ وما قدرناه لتحصيل التعادل أولى وإن كان فيه كثرة حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك ، والضمير المفرد أعني { هُوَ } راجع إلى { مِنْ } باعتبار لفظها كما أن ضمير الجمع في قوله سبحانه : { وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } راجع إليها باعتبار معناها ، والمراد وسقوا ماءً حاراً مكان تلك الأشربة وفيه تهكم بهم { فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } من فرط الحرارة .
روي أنه إذا أدنى منهم شوي وجوههم وامتازت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم ، وهي جمع معى بالفتح والكسر ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة ويقال له عفاج وهو مذكر وقد يؤنث .
ومما قاله بعض أرباب الإشارة : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق الذين اتقوا عما سواه جل وعلا { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } هو ماء الحياة الروحانية لم يتغير بطول المكث { وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ } وهو العلم الحقاني الذي هو غذاء الأرواح أو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها { لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } بحموضة الشكوك والأوهام أو الأهواء والبدع { وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ } وهي خمر الشوق والمحبة :
يقولون لي صفها فأنت بوصفها *** خبير أجل عندي بأوصافها
علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى *** ونور ولا نار وروح ولا جسم
{ للشاربين وأنهار مّنْ عَسَلٍ } وهو عسل الوصال { مُّصَفًّى } عن كدر الملال وخوف الزوال { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } اللذائذ الروحانية { وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } ستر لذنب وجودهم كما قيل :
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب *** { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } نار الجفاء { وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } وهو ماء الخذلان { فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } [ محمد : 15 ] من الحرمان