مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَـٰٓؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (29)

ثم قال تعالى { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين }

وفيه سؤالان :

الأول : كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } .

والجواب من وجهين : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود والحسن وقتادة رضي الله عنهم : معناه تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، وهذا بحذف المضاف ، والثاني : قال الزجاج : معناه ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك .

السؤال الثاني : كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصي الله تعالى فكذلك لا يجوز أن يريد من غيره أن يعصي الله ، فلم قال : { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } .

والجواب من وجوه : الأول : قد ذكرنا أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله ، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به ، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلابد وأن تترصد قتلي في وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك ، فحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان ، وهذا مني كبيرة ومعصية ، وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي ، ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة وعلى هذا الشرط لا يكون حراما ، بل هو عين الطاعة ومحض الإخلاص .

والوجه الثاني في الجواب : أن المراد : إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي ، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه ، والثالث : روي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم ، فعلى هذا يجوز أن يقال : إني أريد أن تبوأ بإثمي في أنه يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني ، وبإثمك في قتلك إياي ، وهذا يصلح جوابا عن السؤال الأول ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَـٰٓؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (29)

{ إِنّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } تعليل آخر لامتناعه عن البسط ، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال ودفعاً لتوهم أن يكون جزء علة لاعلة تامة ، { *وأصل البوء اللزوم ، وفي «النهاية » : أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع وأقر } ، والمعنى إني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي تتحمله لو بسطت يدي إليك حيث كنت السبب له ، وأنت الذي علمتني الضرب والقتل ، وإثمك حيث بسطت إلي يدك ، وهذا نظير ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً { تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير وَمَن يُسْلِمْ } كذا في «الكشاف » ، قيل : وفيه نظر لأن حاصل ما قرره أن على البادىء إثمه ومثل إثم صاحبه إلا أن يتعدى الصاحب فلا يكون هذا المجموع على البادىء ، ولا دلالة فيه على أن المظلوم إذ لم يتعد كان إثمه المخصوص بسببه ساقطاً عنه اللهم إلا بضميمة تنضم إليه ، وليس في اللفظ ما يشعر بها ، ورده في «الكشف » بأنه كيف لا يدل على سقوطه عنه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : «فعلى البادىء » مخصص ظاهر ، وقول «الكشاف » : «إلا أن الإثم محطوط » نفسير لقوله : «فعلى البادىء » وقوله : فعليه إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه تفسير لقوله : ما قالا ، فكما يدل على أن عليه إثماً مضاعفاً يدل على أن إثم صاحبه ساقط . هذا ثم قال : ولعل الأظهر في الحديث أن لا يضمر المثل ، والمعنى إثم سبابهما على البادىء ، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والقول : بأنه إذا لم يكن لما قاله غير البادىء إثم ، فيكف يقال : إثم سبابهما ، وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام ؟ وتحقيقه أن لما قاله غير البادىء إثماً وليس على البادىء ، وليس بمناف لقوله تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] لأنه بحمله عليه عدّ جانياً ، وهذا كما ورد فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة ، نعم فيما نحن فيه العامل لا إثم له إنما هو للحامل ، والحاصل أن سب غير البادىء يترتب عليه شيئان ، أحدهما بالنسبة إلى فاعله وهو ساقط إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء ، والثاني : بالنسبة إلى حامله عليه وهو غير ساقط أعني أنه يثبت ابتداءاً لا أنه لا يعفى ، وأورد في «التحقيق » أن ما ذكره من حط الإثم من المظلوم لأنه مكافىء غير صحيح لأنه إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا بالحاكم ، والجواب أن صريح الحديث يدل على ما ذكر في «الكشاف » ، والجمع بينه وبين الحكم الفقهي أن السب إما أن يكون بلفظ يترتب عليه الحد شرعاً فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم ، أو بغير ذلك وحينئذ لا يخلو إما أن يكون كلمة إيحاش أو امتنان أو تفاخر بنسب ونحوه مما يتضمن إزراء بنسب صاحبه من دون شتم كنحو الرمي بالكفر والفسق فله أن يعارضه بالمثل ، ويدل عليه حديث زينب وعائشة رضي الله تعالى عنهما ، وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة : «دونك فانتصري » أو يتضمن شتماً فذلك أيضاً يرفع إلى الحاكم ليعزره ، والحديث محمول على القسم الذي يجري فيه الانتصار ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما لم يعتد المظلوم » يدل عليه لأنه إذا كان حقه الرفع إلى الحاكم فاشتغل بالمعارضة عد متعدياً انتهى ، وهو تفصيل حسن .

وقيل : معنى { بِإِثْمِى } بإثم قتلي ، ومعنى { *وإثمك } إثمك الذي كان قبل قتلي ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقتادة ومجاهد والضحاك ، وأطلق هؤلاء الإثم الذي كان قبل ، وعن الجبائي والزجاج أنه الإثم الذي من أجله لم يتقبل القربان وهو عدم الرضا بحكم الله تعالى كما مر ، وقيل : معناه بإثم قتلي وإثمك الذي هو قتل الناس جميعاً حيث سننت القتل ، وإضافة الإثم على جميع هذه الأقوال إلى ضمير المتكلم لأنه نشأ من قلبه ، أو هو على تقدير مضاف ولا حاجة إلى تقدير مضاف إليه كما قد قيل به أولاً إلا أنه لا خفاء في عدم حسن المقابلة بين التكلم والخطاب على هذا لأن كلا الإثمين إثم المخاطب ، والأمر فيه سهل ، والجار والمجرور مع المعطوف عليه حال من فاعل { أَن تَبُوء } أي ترجع متلبساً بالإثمين حاملاً لهما ، ولعل مراده بالذات : إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه إذ إرادة الإثم من آخر غير جائزة ، وقيل : المراد بالإثم : ما يلزمه ويترتب عليه من العقوبة ، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى : { فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار } على تلك الإرادة ، فإن كون المخاطب من أصحاب النار إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلاء بعقوبتهما وهو ظاهر ، وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليه العقوبة النارية يرده كما قال شيخ الإسلام قوله سبحانه : { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } فإنه صريح في أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة وكمالها ، والجملة تذييل مقرر لما قبله ، وهي من كلام هابيل على ما هو الظاهر ، وقيل : بل هي إخبار منه تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } أي بإثم قتلي وإثم عملك من الآراء الباطلة { فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار } وهي نار الحجاب والحرمان { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } [ المائدة : 29 ] الواضعين للأشياء في غير موضعها كما وضع الأحكام الحسية موضع المعقولات