قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون }
اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء المعصية ، أكد ذلك التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة ، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة . أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم كانوا قليلين في العدد . وثانيها : أنهم كانوا مستضعفين ، والمراد أن غيرهم يستضعفهم ، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . والمعنى : أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب ، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات ، فأولها : أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة ، فصاروا آمنين من شر الكفار ، وثانيها : قوله : { وأيدكم بنصره } والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر ، وثالثها : قوله : { ورزقكم من الطيبات } وهو أنه تعالى أحل لهم الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة .
ثم قال : { لعلكم تشكرون } أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء ، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء ، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة ، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال ؟
وقوله سبحانه :{ مُّسْتَضْعَفُونَ } خبر ثان وجوز أن يكون صفة لقليل ، وقوله تعالى : { فِى الأرض } أي في أرض مكة تحت أيدي كفار قريش والخطاب للمهاجرين ، أو تحت أيدي فارس والروم والخطاب للعرب كافة مسلمهم وكافرهم على ما نقل عن وهب . واعترض بأنه بعيد لا يناسب المقام مع أن فارس لم تحكم على جميع العرب ، وقوله تعالى : { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } خبر ثالث أو ثفة ثانية لقليل وصف بالجملة بعدما وصف بغيرها ، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً من المستكن في مستضعفون والمراد بالناس على الأول : وهو الأظهر أما كفار قريش أو كفار العرب كما قال عكرمة لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، وعلى الثاني : فارس والروم .
وأخرج الديلمي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قيل : يا رسول الله ومن الناس ؟ قال : أهل فارس ، والتخطف كالخطف الأخذ بسرعة ، وفسر هنا بالاستلاب أي واذكروا حالكم وقت قلتكم وذلتكم وهوانكم على الناس وخوفكم من اختطافكم ، أو اذكروا ذلك الوقت { فَآوَاكُمْ } أي إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم { وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة يوم بدر أو بأن قوى شوكتكم إذ بعث منكم من تضطرب قلوب أعدائكم من اسمه { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } من الغنائم ولم تطب إلا لهذه الأمة ، وقيل : هي عامة في جميع ما أعطاهم من الأطعمة اللذيذة ؛ والأول أنسب بالمقام والامتنان به هنا أظهر . والثاني متعين عند من يجعل الخطاب للعرب { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم الجليلة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :وقد يقال : واذكروا أيها الأرواح والقلوب إذ كنتم قليلاً ليس معكم غيركم إذ لم ينشأ لكم بعد الصفات والأخلاق الروحانية { مُّسْتَضْعَفُونَ } في أرض البدن { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } من النفس وأعوانها { فَآوَاكُمْ } إلى حظائر قدسه { وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } بالواردات الربانية { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } وهي تجلياته سبحانه { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله } بترك الإيمان { والرسول } بترك التخلق بأخلاقه عليه الصلاة والسلام { وَتَخُونُواْ أماناتكم } وهي ما رزقكم الله تعالى من القدرة وسلامة الآلات بترك الأعمال الحسنة أو لا تخونوا الله تعالى بنقض ميثاق التوحيد الفطري السابق والرسول عليه الصلاة والسلام بنقض العزيمة ونبذ العقد اللاحق وتخونوا أماناتكم من المعارف والحقائق التي استودع الله تعالى فيكم حسب استعدادكم بإخفائها بصفات النفس { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ الأنفال : 27 ] قبح ذلك أو تعلمون أنكم حاملوها
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.