مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون }

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات ، فههنا منعهم من الخيانة ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال : الأول : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم ، وكان أهله وولد فيهم . فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاد فينا ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه ، أي أنه الذبح فلا تفعلوا ، فكان ذلك منه خيانة لله ورسوله . الثاني : قال السدي : كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم ، فيشقونه ويلقونه إلى المشركين ، فنهاهم الله عن ذلك . الثالث : قال ابن زيد : نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون ، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . الرابع : عن جابر بن عبد الله : أن أبا سفيان خرج من مكة ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه ، فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله هذه الآية . الخامس : قال الزهري والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها ، حكاه الأصم . والسادس : قال القاضي : الأقرب أن خيانة الله غير خيانة رسوله ، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة ، لأن العطف يقتضي المغايرة .

إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم ، وجعل ذلك خيانة له ، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها ، فمن خانها فقد خان الرسول ، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا فصارت وديعة ، والوديعة أمانة في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ الخيانة ضد الأمانة ، قال : ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير : فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : معنى الخون النقص . كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء . لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه .

المسألة الثالثة : في قوله : { وتخونوا أماناتكم } وجوه : الأول : التقدير { ولا تخونوا أماناتكم } والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله { ولا تخونوا أماناتكم } الثاني : التقدير : لا تخونوا الله والرسول ، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء ، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك .

وأما قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } فيه وجوه : الأول : وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح ، وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } أصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء الإتمام ، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه فإن الخائن ينقص المخون شيئاً مما خانه فيه ، اعتبر الراغب في الخيانة أن تكون سراً ، والمراد بها هنا عدم العمل بما أمر الله تعالى به ورسوله عليه الصلاة والسلام . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن خيانة الله سبحانه بترك فرائضه والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته وارتكاب معصيته .

وقيل : المراد النهي عن الخيانة بأن يضمروا خلاف ما يظهرون أو يغلوا في الغنائم . وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله تعالى عنه أن المراد بها الإخلال بالسلاح في المغازي . وذكر الزهر . والكلبي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة وفي رواية البيهقي خمساً وعشرين . فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح . كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات من أرض الشام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا : أرسل لنا أبا لبابة ورفاعة بن عبد المنذر . وكان مناصحاً لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم . فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا : يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقه يعني أنه الذبح فلا تفعلوا . قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه( {[302]} ) على سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله تعالى علي ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره قال : أما لو جاءني لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى توب الله تعالى عليه فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه ثم تاب الله تعالى عليه فقيل له : يا أبا لبابة قد تيب عليك . فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاءه عله الصلاة والسلام فحله بيده ثم قال أبو لبابة : إن تمام توبتي أن أهجر دار قوم التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي . فقال صلى الله عليه وسلم : يجزيك الثلث أن تصدق به ونزلت فيه هذه الآية » وقال السدي : كانوا يسمعون الشيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنهو عن ذلك ، وأخرج أبو الشيخ وغيره عن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان إن محمداً صلى الله عليه وسلم مريدكم فخذوا حذركم فنزلت { وَتَخُونُواْ أماناتكم } عطف على المجزوم أولاً والمراد النهي عن خيانة الله تعالى والرسول وخيانة بعضهم بعضاً ، والكلام عند بعض على حذف مضاف أي أصحاب أماناتكم ، ويجوز أن تجعل الأمانة نفسها مخونة ، وجوز أبو البقاء أن يكون الفعل منصوباً بإضمار أن بعد الواو في جواب النهي كما في قوله :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

والمعنى لا تجمعوا بين الخيانتين والأول أولى لأن فيه النهي عن كل واحد على حدته بخلاف هذا فإنه نهى عن الجمع بينهما ولا يلزمه النهي عن كل واحد على حدته ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأمانات بالأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها عباده ، وقرأ مجاهد { *أمانتكم } بالتوحيد وهي رواية عن أبي عمرو ولا منافاة بينها وبين القراءة الأخرى { أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي تبعة ذلك ووباله أو أنكم تخونون أو وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح ، فالفعل إما متعد له مفعول مقدر بقرينة المقام أو منزل منزلة اللازم ، قيل : ولس المراد بذلك التقييد على كل حال .


[302]:- المشهور أن أبا لبابة ربط نفسه لتخلفه عن تبوك وحسنه ابن عبد البر اهـ منه.