مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (39)

قوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير }

اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال عروة بن الزبير : كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله ، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فهذا هو المراد من الفتنة ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة . وفيه وجه آخر ، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم ، فالكافر أبدا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة ، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية . قال القاضي : إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم ، فقال : { حتى لا تكون فتنة } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان ، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية . إذا عرفت هذا فنقول : إما أن يكون المراد من الآية { وقاتلوهم } لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون المراد { وقاتلوهم } لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد { ويكون الدين كله لله } في أرض مكة وما حواليها ، لأن المقصود حصل هنا ، قال عليه السلام : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » ولا يمكن حمله على جميع البلاد ، إذ لو كان ذلك مرادا لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به ، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني ؛ وهو قوله : قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله ، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضا للإنسان ، فإنه يحصل ، فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل .

ثم قال : { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير } والمعنى { فإن انتهوا } عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان { فإن الله بما يعملون بصير } عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (39)

{ وقاتلوهم } عطف على { قُلْ } [ الأنفال : 38 ] وعم الخطاب لزيادة ترغيب المؤمنين في القتال لتحقيق ما يتضمنه قوله سبحانه : { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الاولين } [ الأنفال : 38 ] من الوعيد { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي لا يوجد منهم شرك كما روى عن ابن عباس . والحسن ، وقيل : المراد حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } وتضمحل الأديان الباطلة كلها إما بهلاك أهلها جميعاً أو برجوعهم عنها خشية القتل ، قيل : لم يجيء تأويل هذه الآية بعد وسيتحقق مضمونها إذا ظهر المهدي فإنه لا يبقى على ظهر الأرض مشرك أصلاً على ما روى عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر بقتالكم { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } الجملة قائمة مقام الجزاء أي فيجازيهم على انتهائهم وإسلامهم ، أو جعلت مجازاً عن الجزاء أو كناية وإلا فكونه تعالى بصيراً أمر ثابت قبل الانتهاء وبعده ليس معلقاً على شيء . وعن يعقوب أنه قرأ { تَعْمَلُونَ } بالتاء على أنه خطاب للمسلمين المجاهدين أي بما تعملون من الجهاد المخرج لهم إلى الإسلام ، وتعليق الجزاء بانتهائهم للدلالة على أنهم يثابون بالسببية كما يثاب المباشرون بالمباشرة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وقاتلوهم } أي قاتلوا أيها المؤمنون كفار النفوس فإن جهادها هو الجهاد الأكبر { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } مانعة عن الوصول إلى الحق { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } ويضمحل دين النفس الذي شرعته { فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الأنفال : 39 ] فيجازيهم على ذلك والله تعالى الموفق لأوضح المسالك لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره .