مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ} (64)

قوله تعالى : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون }

واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة ، الحافرة حفرت عما في قلوب المنافقين قال الحسن : اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين على أمر من النفاق ، فأخبر جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام بأسمائهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إن أناسا اجتمعوا على كيت وكيت ، فليقوموا وليعترفوا وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم " فلم يقوموا ، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك : " قم يا فلان ويا فلان " حتى أتى عليهم ثم قالوا : نعترف ونستغفر فقال : " الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفسا بالشفاعة ، والله كان أسرع في الإجابة ، اخرجوا عني اخرجوا عني " فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية ، وقال الأصم : إن عند رجوع الرسول عليه الصلاة والسلام من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلا ليفتكوا به فأخبره جبريل ، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ، ثم قال : " من عرفت من القوم " فقال : لم أعرف منهم أحدا ، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم وعدهم له ، وقال : " إن جبريل أخبرني بذلك " فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم ليقتلوا ، فقال : " أكره أن تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا الله ذلك "

فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول ؟

قلنا : فيه وجوه : الأول : قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي ، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره ، وفي قوله : { استهزئوا } دلالة على ما قلناه . الثاني : أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم . الثالث : قال الأصم : أنهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند الله تعالى ، إلا أنهم كفروا به حسدا وعنادا . قال القاضي : يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن يكون محادا لهما . قال الداعي إلى الله : هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات ، الرابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون ذلك . الخامس : أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما كانوا قاطعين بفسادها . والشاك خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم ، ثم قال صاحب «الكشاف » : الضمير في قوله : { عليهم } و{ تنبئهم } للمؤمنين ، وفي قوله : { في قلوبهم } للمنافقين ويجوز أيضا أن تكون الضمائر كلها للمنافقين ، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ، ومعنى { تنبئهم بما في قلوبهم } أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبهم كيت وكيت ، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم .

ثم قال : { قل استهزءوا } وهو أمر تهديد كقوله : { وقل اعملوا } { إن الله مخرج ما تحذرون } أي ذلك الذي تحذرونه ، فإن الله يخرجه إلى الوجود ، فإن الشيء إذا حصل بعد عدمه ، فكان فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ} (64)

{ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ } أي من أن تنزل . ويجوز أن يكون يحذر متعدياً بنفسه كما يدل عليه ما أنشد سيبويه من قوله :

حذر أموراً لا تضير وآمن *** ما ليس ينجيه من الأقدار

وأنكر المبرد كونه متعدياً لأن الحذر من هيئات النفس كالفزع ، والبيت قيل : إنه مصنوع ، ورد ما قاله المبرد بأن من الهيآت ما يتعدى كخاف وخشي فما ذكره غير لازم { عَلَيْهِمْ } أي في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازل عليهم ، وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان الجار والمجرور متعلقاً بتنزل ، وأما إذا كان متعلقاً بمقدر وقع صفة لقوله سبحانه : { سُورَةٌ } كما قيل أي تنزل سورة كائنة عليهم من قولهم : هذا لك وهذا عليك فلا كما لا يخفى إلا أنه خلاف الظاهر جداً . والظاهر تعلق الجار بما عنده ، وصفة سورة بقوله تعالى شأنه : { تُنَبّئُهُمْ } أي المنافقين { بِمَا فِي قُلُوبِهِم } من الأسرار الخفية فضلاً عما كانوا يظهرونه فيما بينهم خاصة من أقاويل الكفر والنفاق ، والمراد أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فينتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة فكأنهم تخبرهم بها وإلا فما في قلوبهم معلوم لهم والمحذور عندهم إطلاع المؤمنين عليه لهم ، وقيل : المراد تخبرهم بما في قلوبهم على وجه يكون المقصود منه لازم فائدة الخبر وهو علم الرسول عليه الصلاة والسلام به ، وقيل : المراد بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعى عليهم قبائحهم ، وجوز أن يكون الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ، وتفكيك الضمائر ليس بممنوع مطلقاً بل هو جائز عند قوة القرينة وظهور الدلالة عليه كما هنا ، أي يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتك عليهم أستارهم وتفشي أسرارهم ، وفي الأخبار عنهم بأنهم يحذرون ذلك إشعار بأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول عليه الصلاة والسلام . وقال أبو مسلم : كان إظهار الحذر بطريق الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر كل شيء ويقول : إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به لقوله سبحانه : { قُلِ استهزءوا } فإنه يدل على أنه وقع منهم استهزاء بهذه المقالة . والأمر للتهديد والقائلون بما تقدم قالوا : المراد نافقوا لأن المنافق مستهزىء وكما جعل قولهم : آمنا وما هم بمؤمنين مخادعة في البقرة جعل هنا استهزاء ، وقيل : إن { يَحْذَرُ } خبر في معنى الأمر أي ليحذر . وتعقب بأن قوله سبحانه : { إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } ينبو عنه نوع نبوة إلا أن يراد ما يحذرون بموجب هذا الأمر وهو خلاف الظاهر ، وكان الظاهر أن يقول : إن الله منزل سورة كذلك أو منزل ما تحذرون لكن عدل عنه إلى ما في النظم الكريم للمبالغة إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السورة ، أو لأنه أعم إذ المراد مظهر كل ما تحذرون ظهوره من القبائح ، وإسناد الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرجه إخراجاً لا مزيد عليه ، والتأكيد لدفع التردد أو رد الإنكار .