واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال : { إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صحاب «الكشاف » { أخي } يدل من هذا أو خبر لقوله : { إن } والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى : { وإن كثيرا من الخلطاء } وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » قرئ { تسع وتسعون } بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة ولقوة وهي الأنثى من العقبان .
المسألة الثالثة : قال الليث : النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة .
المسألة الرابعة : قرأ عبد الله : { تسع وتسعون نعجة أنثى } وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى : { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد } ، ثم قال : { أكفلنيها وعزني في الخطاب } قال صاحب «الكشاف » : { أكفلنيها } حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي { وعزني } غلبني ، يقال عزه يعزه ، والمعنى جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به ، وقرئ وعازني من المعازة ، وهي المغالبة ، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل ، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل .
{ إن هذا أخي } بالدين أو بالصحبة . { له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة } هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة ، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود ، وقرئ " تسع وتسعون " بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وقرأ حفص بفتح ياء " لي نعجة " . { فقال أكفلنيها } ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ، وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي . { وعزني في الخطاب } وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده ، أو في مغالبته إياي في الخطبة يقال : خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا حيث زوجها دوني ، وقرئ " وعازني " أي غالبني " وعزني " على تخفيف غريب .
نعجة : هي أنثى الضأن ، وتطلق على المرأة مجازا .
أكفلنيها : اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ، والمراد : ملكنيها ، أو اجعلها كفلي ، أي : نصيبي .
في الخطاب : في المجادلة والمحاجة .
23- { إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } .
إن هذا أخي يملك تسعا وتسعين نعجة ، وأنا أملك نعجة واحدة ، فطلب منّي أن أتنازل له عن نعجتي حتى تكتمل النعاج عنده مائة ، وهو رقم مكتمل ، وجاء بحجج وأدلة قوية غلبني بها ولم أستطع الردّ عليها ، لقد كانا أخوين في النسب ، أو في شركة ، أو في الدّين ، أو في الصحبة ، لكن الغنيّّ كان جشعا لا يشبع ، فالمفروض أن ساعد الغني الفقير ويعطف عليه .
قال تعالى : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم . . . } [ النور : 33 ] .
{ إِنَّ هَذَا أَخِى } الخ استئناف لبيان ما فيه الخصومة ، والمراد بالاخوة أخوة الدين أو اخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة لقوله تعالى : { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء } [ ص : 24 ] وكل واحد من هذه الأخوات يدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم ، وقيل : هي أخوة في النسب وكان المتحاكمان أخوين من بني إسرائيل لأن وام ، ولا يخفى أن المشهور أنهما كانا من الملائكة بل قيل لا خلاف في ذلك .
و { أَخِى } بيان عند ابن عطية وبدل أو خبر لأن عند الزمخشري ، ولعل المقصود بالإفادة على الثاني قوله تعالى : { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة } وهي الأنثى من بقر الوحش ومن الضأن والشاء والجبلي وتستعار للمرأة كالشاة كثيراً نحو قول ابن عون
: أنا أبوهن ثلاث هنه *** رابعة في البيت صغراً هنه ونعجتي خمساً توفيهنه
ألا فتى سحج يغذيهنه *** وقول عنترة :
يا شاة ما قنص لمن حلت له *** حرمت على وليتها لم تحرم
: فرميت غفلة عينه عن شاته *** فاصبت حبة قلبها وطحالها
والظاهر إبقاؤها على حقيقتها هنا ويراد بها أنثى الضان ، وجوز إرادة الامرأة ، وسيأتي إن شاء تعالى ما يتعلق بذلك ، وقرأ الحسن . وزيد بن علي { تِسْعٌ وَتِسْعُونَ } بفتح التاء فيهما ، وكثر مجيء الفعل والفعل بمعنى واحد نحو السكر والسكر ولا يبعد ذلك في التسع لاسيما وقد جاور العشر ، والحسن . وابن هرمز { *ونعجة } بكسر النون وهي لغة لبعض بني تميم ، وقرأ ابن مسعود { وَلِى نَعْجَةٌ أنثى } ووجه ذلك الزمخشري بأنه يقال امرأة أنثى للحسناء الجميلة والمعنى وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها وذلك أملح لها وأزيد في تكسرها وتثنيها ألا ترى إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال ، وقوله
: فتور القيام قطيع الكلام *** لغوب العشاء إذا لم تنم
: تنام عن كبر شأنها فإذا *** قامت رويداً تكاد تنغرف
وفي الكلام عليه توفية حق القسمين أعني ما يرجع إلى الظالم وما يرجع إلى المظلوم كأنه قيل : إنه مع وفور استغنائه وشدة حاجتي ظلمني حقي ، وهذا ظاهر إذا كانت النعجة مستعارة وإلا فالمناسب تأكيد الأنوثة بأنها كاملة فيها فيكون أدر وأحلب لما يطلب منها على أن فيه رمزاً إلى ما وري عنه { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } ملكنيها ، وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ، وقال ابن كيسان : اجعلها كفلى أي نصيبي ، وعن ابن عباس . وابن مسعود تحول لي عنها وهو بيان للمراد وألصق بوجه الاستعارة { وَعَزَّنِى } أي غلبني ، وفي المثل من عَزَّ بَزَّ أي من غلب سلب وقال الشاعر
: قطاة عزها شرك فباتت *** تجاذبه وقد علق الجناح
{ فِى الخطاب } أي مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أطق رده ، وقال الضحاك : أي إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني ، وقال ابن عطية : كان أوجه مني وأقوى فإذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي وقوته أعظم من قوتي ، وقيل : أي غلبني في مغالبته إياي في الخطبة على أن الخطاب من خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني ، وهو قول من يجعل النعجة مستعارة ، وتعقبه صاحب الكشف فقال : حمل الخطاب على المغالبة في خطبة النساء لا يلائم فصاحة التنزيل لأن التمثيل قاصر عنه لنبو قوله : { وَلِى نَعْجَةٌ } عن ذلك أشد النبوة وكذا قوله : { أَكْفِلْنِيهَا } إذ ينبغي على ذلك أن يخاطب به ولي المخطوبة إلا أن يجعل الأول مجازاً عما يؤول إليه الحال ظناً والشرط في حسنه تحقق الانتهاء كما في { أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف : 36 ] والثاني مجاز عن تركه الخطبة ، ولا يخفى ما فيهما من التعقيد ، ثم إنه لتصريحه ينافي الغرض من التمثيل وهو التنبيه على عظم ما كان منه عليه السلام وأنه أمر يستحي من كشفه مع الستر عليه والاحتفاظ بحرمته انتهى فتأمل .
وقرأ أبو حيوة . وطلحة { وَعَزَّنِى } بتخفيف الزاي ، قال أبو الفتح : حذفت إحدى الزائين تخفيفاً كما حذفت إحدى السينين في قول أبي زيد :
أحسن به فهن إليه شوس *** وروي كذلك عن عاصم .
وقرأ عبد الله . وأبو وائل . ومسروق . والضحاك . والحسن . وعبيد بن عمير { وعازني } بألف بعد العين وتشديد الزاي أي وغالبني .