مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (4)

قوله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض } قرئ فرعون بضم الفاء وكسرها ، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس { علا } استكبر وتجبر وتعظم وبغى ، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته ، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله : { وجعل أهلها شيعا } أي فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضا في استخدامه أو أصنافا في استخدامه أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له أطوع أو المراد ما فسره بقوله : { يستضعف طائفة منهم } أي يستخدمهم { ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } فهذا هو المراد بالشيع . قوله : { يستضعف طائفة منهم } تلك الطائفة بنو إسرائيل ، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه . أحدها : أن كاهنا قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده ، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم ، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة ، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفا من بني إسرائيل . قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل ؟ وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة ، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة ، وأيضا فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته ، وأيضا فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثا .

واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل ، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل . وثانيها : وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر ، فأمر بقتل الذكور . وثالثها : أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل ، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول ، قال صاحب الكشاف : { يستضعف } حال من الضمير في { وجعل } أو صفة لشيعا ، أو كلام مستأنف . و{ يذبح } بدل من { يستضعف } وقوله : { إنه كان من المفسدين } يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد ، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (4)

شرح الكلمات :

{ علا في الأرض } : أي تكبر وظلم فادعى الربوبية وظلم بني إسرائيل ظلماً فظيعاً .

{ شيعاً } : أي طوائف بعضهم عدوّ لبعض من باب فَرِّق تَسُدْ .

{ ويستحي نساءهم } : أي يبقي على النساء لا يذبح البنات لأنه لا يخاف منهن ويذبح الأولاد لخوفه مستقبلاً على ملكه منهم .

المعنى :

وقوله تعالى : { إن فرعون . . } إلى آخر الآية هذا بيان لما أخبر أنه يقصه للمؤمنين ، يخبر تعالى فيقول : { إن فرعون . . } إلى آخر الآية إن فرعون الحاكم المصري المسمى بالوليد بن الريان الطاغية المدعى الربوبية والألوهية { علا في الأرض } أي أرض البلاد المصرية ومعنى علا طغى وتكبر وتسلط وقوله { وجعل أهلها } أي أهل تلك البلاد المصرية { شيعاً } أي طوائف فرق بينها إبقاء على ملكه قاعدة فَرِّق تَسُدْ المذهب السياسي القائم الآن في بلاد الكفر والظلم وقوله { يستضعف طائفة } من تلك الطوائف وهي طائفة بني إسرائيل وكيفية استضعافهم أنه يذبح أبناءهم ساعة ولادتهم { ويستحي نساءهم } أي بناتهم ليكبرن للخدمة وتذبيح الأولاد سببه أن كهانة وسياسييه أعلموه أن مهلكه مهدد بوجود بني إسرائيل أقوياء كثر في البلاد فاستعمل طريقة تقليلهم والحد من كثرتهم بذبح الأولاد الذكور منهم وإبقاء الإِناث منهم وهي سياسة تشبه تحديد النسل اليوم التي يستعملها الهالكون اليوم وهم لا يشعرون .

وقوله : { إنه كان من المفسدين } هذا تعليل لعلو فرعون وطغيانه فذكر أن سبب ذلك الذي يرتكبه من السياسة العمياء الظالمة أنه { من المفسدين } أي في الأرض بارتكاب الجرائم العظام التي لا توصف .

الهداية :

- التحذير من الظلم والاستطالة على الناس والفساد في الأرض .