مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (7)

واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعا من القصص .

القصة الأولى : قصة موسى عليه الصلاة والسلام

أما قوله : { إذ قال موسى لأهله } فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام ، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله ( تصطلون ) .

أما قوله : { إني آنست نارا } فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلا ، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق ، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال : { إني آنست نارا } وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت ، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به ، والأول أقرب ، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري .

أما قوله : { سآتيكم منها بخبر } فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل ، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال : { إذ قال موسى } يعرف به الطريق .

أما قوله : { أو آتيكم بشهاب قبس } فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة . وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم ههنا أسئلة :

السؤال الأول : { سآتيكم منها بخبر } و{ لعلي آتيكم منها بخبر } كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ نقول جوابه : قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة .

السؤال الثاني : كيف جاء بسين التسويف ؟ جوابه : عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة .

السؤال الثالث : لماذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معا ؟ جوابه : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده .

وأما قوله تعالى : { لعلكم تصطلون } فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (7)

{ إذ قال موسى لأهله } اشتملت هذه السورة على خمس قصص : قصة موسى ، وقصة النمل ، وقصة بلقيس {[258]} ، وقصة صالح ، وقصة لوط . ثم على خمسة أدلة : على التوحيد وإبطال الشرك ، ثم على التنديد بمنكري البعث ، ثم على اليوم الآخر وما يصيب المشركين فيه من الهول والعذاب ، ثم على الأمر بعبادة الله وحده . { آنست نارا } أبصرت من بعد نارا . يقال : آنس الشيء ، أبصره وعلمه وأحس به . { بشهاب قبس } بشعلة نار مقبوسة ؛ أي مأخوذة من أصلها . والشهاب في الأصل : كل أبيض ذي نور نحو الكوكب والعود الموقد . والقبس : ما يقبس من النار في رأس عود أو قصبة ونحوها ، وهو بدل من " شهاب " ، أو صفة له على تأويله بالمقبوس . وقرئ بالإضافة وهي بمعنى من ؛ كما في خاتم فضة . { لعلكم تصطلون } رجاء أن تستدفئوا بها من البرد . والاصطلاء : الدنو من النار لتسخين البدن ، وهو الدفء . يقال : اصطلى يصطلى ، إذا استدفأ ؛ والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال .


[258]:بلقيس – بكسر الباء والقاف -: ملكة سبأ.