البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (7)

قيل : وانتصب { إذ } باذكر مضمرة ، أو بعليم ؛ وليس انتصابه بعليم واضحاً ، إذ يصير الوصف مقيداً بالمعمول .

وقد تقدم طرف من قصة موسى عليه السلام في رحلته بأهله من مدين : في سورة طه ، وظاهر أهله جمع لقوله : { سآتيكم } و { تصطلون } ، وروي أنه لم يكن معه غير امرأته .

وقيل : كانت ولدت له ، وهو عند شعيب ، ولداً ، فكان مع أمه .

فإن صح هذا النقل ، كان من باب خطاب الجمع على سبيل الإكرام والتعظيم .

وكان الطريق قد اشتبه عليه ، والوقت بارد ، والسير في ليل ، فتشوقت نفسه ، إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد فقال : { سآتيكم منها بخبر } : أي من موقدها بخبر يدل على الطريق ، { أو آتيكم بشهاب قبس } : أي إن لم يكن هناك من يخبر ، فإني أستصحب ما تدفؤون به منها .

وهذا الترديد بأو ظاهر ، لأنه كان مطلوبه أولاً أن يلقي على النار من يخبره بالطريق ، فإنه مسافر ليس بمقيم .

فإن لم يكن أحد ، فهو مقيم ، فيحتاجون لدفع ضرر البرد ، وهو أن يأتيهم بما يصطلون ، فليس محتاجاً للشيئين معاً ، بل لأحدهما الخبر إن وجد من يخبره فيرحل ، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام .

فمقصوده إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، وهو معنى قوله : { لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى } وجاء هنا : { سآتيكم منها بخبر } ، وهو خبر ، وفي طه : { لعلي آتيكم منها بقبس } وفي القصص : { لعلي آتيكم منها بخبر } وهو ترج ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر .

ولكن الرجاء إذا قوي ، جاز للراجي أن يخبر بذلك ، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع .

وأتى بسين الاستقبال ، إما لأن المسافة كانت بعيدة ، وإما لأنه قد يمكن أن تبطىء لما قدر أنه قد يعرض له ما يبطئه .

والشهاب : الشعلة ، والقبس : النار المقبوسة ، فعل بمعنى مفعول ، وهو القطعة من النار في عود أو غيره ، وتقدم ذلك في طه .

وقرأ الكوفيون : بشهاب منوناً ، فقبس بدل أو صفة ، لأنه بمعنى المقبوس .

وقرأ باقي السبعة : بالإضافة ، وهي قراءة الحسن .

قال الزمخشري : أضاف الشهاب إلى القبس ، لأنه يكون قبساً وغير قبس ، واتبع في ذلك أبا الحسن .

قال أبو الحسن : الإضافة أجود وأكثر في القراءة ، كما تقول : دار آجر ، وسوار ذهب .