مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : { الذي له ملك السماوات والأرض } وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : { له ما في السماوات والأرض } إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء . وثانيها : قوله : { ولم يتخذ ولدا } فبين سبحانه أنه هو المعبود أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه . فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : { تبارك } ولقوله : { الذي له ملك السماوات والأرض } وهذا كالرد على النصارى . وثالثها : قوله : { ولم يكن له شريك في الملك } والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم ، والقائلين بعبادة الأوثان . ورابعها : قوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } وفيه سؤالات :

الأول : هل في قوله : { وخلق كل شيء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : { وخلق كل شيء } يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك ، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال : ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم . فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه . أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا في قوله : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } وقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } . وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد . وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لابد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب :

أما قوله : { وإذ تخلق } وقوله : { أحسن الخالقين } فهما معارضان بقوله : { الله خالق كل شيء } وبقوله : { هل من خالق غير الله } وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله { خلق كل شيء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها .

السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير فقوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } معناه وقدر كل شيء فقدره تقديرا والجواب : المعنى أحدث كل شيء إحداثا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرا وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المستوي الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في باب الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر غير متخلف عنه .

السؤال الثالث : هل في قوله : { فقدره تقديرا } دلالة على مذهبكم ؟ الجواب : نعم وذلك من وجوه . أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه ، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع . فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلا وانقلاب خبره الصدق كذبا ، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه . وثانيها : أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح ، فالكلام يعود في ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود . وثالثها : أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده ، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلابد من الانتهاء إلى جهل أول ، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق ، بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب ، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم ، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ ، وهو المراد من قوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

2- هو سبحانه الذي يملك - وحده - السماوات والأرض ، والمنزه عن اتخاذ الولد ، ولم يكن له أي شريك في ملكه ، وقد خلق كل شيء وقدَّره تقديراً دقيقاً بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام{[155]} .


[155]:{الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا}: أثبت العلم الحديث أن كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وفق نظام دقيق ثابت لا يقدر عليه إلا خالق قدير مبدع. فمن حيث التكوين فقد تبين أن جميع هذه الموجودات والمخلوقات على اختلاف أشكالها وتباين صورها تتألف من اتحاد عناصر محدودة العدد، إذ يبلغ عددها قرابة المائة عنصر "منها 96 معروفة حتى الآن" وهي تتدرج في صفاتها الطبيعية والكيميائية وأوزانها الذرية، تبدأ بالعنصر رقم "1" وهو الأيدروجين ووزنه الذري "1" وتنتهي ـ حتى الآن ـ بالعنصر رقم 96 وهو عنصر اليوريوم ووزنه الذري غير معلوم، وآخر عنصر علم وزنه الذري هو اليورانيوم ويبلغ وزنه الذري 57ر238، وتسير هذه العناصر في اتحادها لتكوين المركبات حسب قوانين ثابتة لا تحيد عنها، وكذلك النبات والحيوان فإن كلا منها ينقسم إلي أسر وفصائل وأنواع تتدرج صفاتها في مدارج الرقي من الكائنات الحية ذات الخلية الواحدة: مثل الميكروبات، إلي كائنات متعددة الخلايا إلي الإنسان وهو أكملها. ولكل من هذه الأنواع صفات خاصة تتوارث فيما بينها جيلا بعد جيل وكل هذا يسير تبعا لقوانين ونظم ثابتة دقيقة، تنبئ بجلاء ووضوح عن عظمة الخالق وقدرته. فسبحانه وتعالي عما يشركون.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

تبارك الذي نزل الفرقان على عبده . . ( الذي له ملك السماوات والأرض . ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) . .

ومرة أخرى لا يذكر لفظ الجلالة ولكن يذكر الاسم الموصول لإبراز صلته الدالة على صفات يراد توكيدها في هذا المقام :

( الذي له ملك السماوات والأرض ) . . فله السيطرة المطلقة على السماوات والأرض . سيطرة الملكية والاستعلاء ، وسيطرة التصريف والتدبير ، وسيطرة التبديل والتغيير .

( ولم يتخذ ولدا ) . . فالتناسل ناموس من النواميس التي خلقها الله لامتداد الحياة ؛ وهو سبحانه باق لا يفنى ، قادر لا يحتاج .

( ولم يكن له شريك في الملك ) . . وكل ما في السماوات والأرض شاهد على وحدة التصميم ، ووحدة الناموس ، ووحدة التصريف .

( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) . قدر حجمه وشكله . وقدر وظيفته وعمله . وقدر زمانه ومكانه . وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير .

وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه ، لمما يدعو إلى الدهشة حقا ، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا . ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره ، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير . وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) . .

يقول [ أ . كريسي موريسون ] رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان : " الإنسان لا يقوم وحده " .

" ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل ، بالغا هذه الدقة الفائقة . لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام ، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين ، ولما أمكن وجود حياة النبات .

" ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية ، وهي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية . وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق . ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض ، ولكانت العاقبة مروعة . أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره !

" إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع ، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات ، دون أن تضر بالإنسان ، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم ، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظهما سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع ، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل ، والنباتات . وأخيرا الإنسان نفسه . . . " .

ويقول في فصل آخر :

" لو كان الأوكسجين بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال ، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر . ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل ، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور . ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان - كالنار مثلا - تتوافر له " .

ويقول في فصل ثالث :

" ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان - مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره - من السيطرة على العالم ، منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة ! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر . وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك ، ماثلا في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات .

" والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان . فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا . كسياج وقائي . ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا ، وزاحم أهل المدن والقرى ، وأتلف مزارعهم ، وحال دون الزراعة . ولم يجد الأهالي وسيلة تصده عن الانتشار ؛ وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت ، يتقدم في سبيله دون عائق !

" وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار ، ولا تتغذى بغيره ، وهي سريعة الانتشار ، وليس لها عدو يعوقها في استراليا . وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار . ثم تراجعت ، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية ، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد .

" وهكذا توافرت الضوابط والموازين ، وكانت دائما مجدية .

" ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها ، أو يكسبون مناعة منها ? ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك . كذلك البعوض كثير في المنطقة المتجمدة . ولماذا لم تتطور ذبابة تسي تسي حتى تستطيع أن تعيش أيضا في غير مناطقها الحارة ، وتمحو الجنس البشري من الوجود ? يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب ، وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية ، ليعلم أن بقاء الجنس البشري رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة ! . . .

" إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان ؛ ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب . وحين تنمو الحشرات وتكبر ، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها . ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات ، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا . وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة . وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها ، ومنعها من السيطرة على العالم . ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض . وتصور إنسانا فطريا يلاقي دبورا يضاهي الأسد في ضخامته ، أو عنكبوتا في مثل هذا الحجم !

" ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات ، والتي بدونها ما كان أي حيوان - بل كذلك أي نبات - يمكن أن يبقى في الوجود . . . الخ " .

وهكذا ينكشف للعلم البشري يوما بعد يوم ، شيء من تقدير الله العجيب في الخلق ، وتدبيره الدقيق في الكون ، ويدرك البشر شيئا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) . .

ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئا من هذا كله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

المفردات :

فقدره تقديرا : سواه تسوية قائمة على أساس ، لا اعوجاج فيه ، ولا زيادة ولا نقص عما تقتضيه الحكمة والمصلحة .

التفسير :

2 – { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } .

تشتمل هذه الآية على صفات الله تعالى ، وكمالاته وقدرته :

1 – فقد خلق الله هذا الكون بقدرته ، وجعل السماء سقفا مرفوعا وزينها بالنجوم ، وجعل فيها بروجا وشمسا وقمرا منيرا ، وخلق الله الأرض ، وبسطها ، وجعل فيها طرقا يسير عليها الناس ، وأرسى فيها الجبال ، ويسر إعمارها بإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الحيوانات ، والإنس والجن ، وقد عبر القرآن عن هذا المعنى في كثير من الآيات .

قال تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا } . ( الفرقان : 61 ) .

وقال تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } . ( طه : 6 ) .

وقال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } . ( الأنبياء : 30 – 33 ) .

تنزه الله عن الولد والشريك

ادعت النصارى أن المسيح ابن الله ، وقالت اليهود : عزير ابن الله ، وقد نفى القرآن ذلك عن الله ونزهه عن مشابهة الحوادث .

قال تعالى :

{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ . . . } ( المؤمنون : 91 ) .

وفي الحديث الصحيح : ( لا أحد أحلم من الله ، إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم ) .

وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : ( يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ، ويكذبني ابن آدم وما ينبغي له أن يكذبني ، فأما شتمه لي فقوله : إن لي ولدا ، وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأما تكذيبه لي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ) .

وقد رد القرآن في آياته على المكذبين بالبعث فقال تعالى : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } . ( الأنبياء : 104 ) .

وقال سبحانه : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . ( الروم : 27 ) .

وفي آخر سورة يس يقول الله تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . ( يس : 78 – 83 ) .

الخلق والتقدير :

أبدع الله خلق الأشياء على غير مثال سابق ، وآية ذلك تكامل هذا الكون ، وتعاون أجزائه : فالشمس ساطعة ، والقمر منير ، والبحار شاسعة ، والشمس ترسل أشعتها فوق المحيطات ، فيتصاعد البخار ، ثم تسوقه الرياح فيتساقط مطرا ، تتم به حياة الزرع والإنسان والحيوان ، والإنسان يستنشق الأوكسجين ، ويخرج ثاني أكسيد الكربون ، والنبات يأخذ ثاني أكسيد الكربون ويستنشقه ، ثم يخرج الأوكسجين ، فلو وجد الإنسان وحده لمات ، ولو وجد النبات وحده في هذا الكون لذبل وذوى ، فمن حسن تقدير الله وترتيبه وتدبيره ، وجود الإنسان والنبات ، والهواء مثلا فيه نسبة %21 من الأوكسجين ، ولو زادت هذه النسبة إلى %50 لزاد الاشتعال ، بحيث إن شرارة واحدة في الغابة تكفي لاشتعال الأشجار كلها ، ولو نقصت نسبة الأوكسجين في الهواء عن %21 لاختنق الإنسان ، وانخفض مستوى تقدمه وحضارته .

ولذلك قال تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } .

أي : أبدع خلق كل شيء في هذا الكون ، مع التنظيم والسبك ، والتكامل والإبداع ، والتنسيق بين المخلوقات ، بحيث يتم بينها التكامل والتعاون ، في إعمار الكون وإبداع نظامه .

وفسر ابن كثير : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } . بأن كل شيء مخلوق مربوب لله ، والله هو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه ، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره .