قوله تعالى { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون }
اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها ، وفي شرح أحوال من يؤمن بها . فأما شرح أحوال الكافرين فهو المذكور في هذه الآية . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة :
الصفة الأولى : قوله : { إن الذين لا يرجون لقاءنا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذا الرجاء قولان :
القول الأول : وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } وقوله : { وهم من الساعة مشفقون } وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } قال الهذلي :
والقول الثاني : تفسير الرجاء بالطمع ، فقوله : { لا يرجون لقاءنا } أي لا يطمعون في ثوابنا ، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس ، كما قال : { قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار }
واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره البتة ، والدليل عليه أن لقاء الله إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى رحمته . فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد يرجو من الله تعالى أن يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا كان كذلك فكل من آمن بالله فهو يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر .
المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لكونه منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر . فإنه يقال : لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل .
واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوى لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات . فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين .
الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : { ورضوا بالحياة الدنيا } .
واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها .
والصفة الثالثة : قوله تعالى : { واطمأنوا بها } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى : { وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية : { واطمأنوا بها } فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى .
المسألة الثانية : مقتضى اللغة أن يقال : واطمأنوا إليها ، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال : { واطمأنوا بها } .
والصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم عن آياتنا غافلون } والمراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية .
{ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7 أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ 8 }
لا يرجون لقاءنا : لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى .
7 { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } .
هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث ، ومصير من غفل عن آيات الله .
1 { إن الذين لا يرجون لقاءنا } .
أي : لا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء ؛ فقد خلت قلوبهم من الإيمان بالآخرة والعمل لها ، وعدم عمل أي حساب لها وقريب من ذلك قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزر علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا } . ( الفرقان : 21 ) .
لقد رضوا بالحياة الدنيا ، وألقوا زينتها ، ومتعوا ، ولم يفكروا إلا في تشبعهم في زينة الدنيا والركون إليها ، والاغتراف من لذائذها وشهواتها وأعرضوا عن الآخرة وما فيها من نعيم مقيم .
قال الإمام الرازي : استغرقوا في طلب اللذائذ الحسية ، واكتفوا بها ، وتفرغوا لها .
أي : سكنوا فيها سكون من لا يبرحها ، آمنين من المزعجات .
قال الإمام الرازي : اطمأنوا إلى الدنيا اطمئنان الشخص إلى الشيء الذي لا ملاذ له سواه .
فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير ، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا .
4 { والذين عن آياتنا غافلون } .
لقد غفلوا عن آيات الله في هذا الكون ، وعن آيات الله وشرائعه المنزلة على رسله ؛ فلم تتحرك قلوبهم إلى النظر أو التأمل في هذا الكون البديع المنظم لينتقلوا من جمال الصنعة إلى جمال الصانع ، ولم تتحر ك عقولهم للنظر في الأدلة الشرعية والبراهين الداعية إلى الإيمان ، ولم يتزودوا ليوم الوعيد .
{ 7 - 8 } { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }
يقول تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي : لا يطمعون بلقاء الله ، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون ، وأعلى ما أمله المؤملون ، بل أعرضوا عن ذلك ، وربما كذبوا به { وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بدلا عن الآخرة .
{ وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } أي : ركنوا إليها ، وجعلوها غاية مرامهم{[391]} ونهاية قصدهم ، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها ، بأي طريق حصلت حصلوها ، ومن أي وجه لاحت ابتدروها ، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها ، فكأنهم خلقوا للبقاء فيها ، وكأنها ليست دار ممر ، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون ، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون .
{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } فلا ينتفعون بالآيات القرآنية ، ولا بالآيات الأفقية والنفسية ، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة ، عن المدلول المقصود .