مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

قوله تعالى :{ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ، كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ، ) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون }

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء الستة التي شرحناها في الفصل المتقدم وكانت تلك الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا له ، بل خلقها سبحانه وتعالى للابتلاء والامتحان ، ولكي يتوصل بها إلى الآخرة التي هي دار الخلود .

فأما قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : قال مقاتل : أنا أناسا كانوا يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يموت فنزلت هذه الآية . وثانيها : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا أي قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشرا فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت أفائن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفي معناه قول القائل :

فقل للشامتين بنا أفيقوا*** سيلقى الشامتون كما لقينا

وثالثها : يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

بعد ذكر هذه الأدلة على وجود الخالق الواحد القادر ، بيّن سبحانه وتعالى في كتابه للناسِ أن هذه الدنيا لم تُخلَق للخلود والدوام ، وإنما للابتلاء والامتحان ، ولتكون وسيلةً إلى الآخرة التي هي دار الخلود فقال : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون } :

وما جعلنا لأحدٍ من البشر قبلك أيها النبي الخلود في هذه الدنيا ، فكل من على هذه الأرض ميت ، كما قال تعالى ايضا : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } أفإن متَّ فهم يخلُدون في هذه الحياة ! ! .

نزلت هذه الآية لما تضايق كبراء قريش من الرسول الكريم فقالوا : نتربّص به الموتَ فنستريح منه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ } كائناً من كان { مّن قَبْلِكَ الخلد } أي الخلود والبقاء في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية والتشريعية ، وقيل الخلد المكث الطويل ومنه قولهم للأثافي : خوالد ، واستدل بذلك على عدم حياة الخضر عليه السلام ، وفيه نظر { أَفَإِيْن مّتَّ } بمقتضى حكمتنا { فَهُمُ الخالدون } نزلت حين قالوا { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } [ الطور : 30 ] والفاء الأولى لتعليق الجملة الشرطية بما قبلها والهمزة لإنكار مضمونها وهي في الحقيقة لإنكار جزائها أعني ما بعد الفاء الثانية . وزعم يونس أن تلك الجملة مصب الإنكار والشرطية بما قبلها والهمزة لإنكار مضمونها وهي في الحقيقة لإنكار جزائها أعني ما بعد الفاء الثانية . وزعم يونس أن تلك الجملة مصب الإنكار والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف تدل عليه تلك الجملة وليس بذاك ، ويتضمن إنكار ما ذكر إنكار ما هو مدار له وجوداً وعدماً من شماتتهم بموته صلى الله عليه وسلم كأنه قيل أفأن مت فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك ، وفي معنى ذلك قول الإمام الشافعي عليه الرحمة :

تمني رجال أن أموت وإن أمت *** فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى *** تزود لأخرى مثلها فكأن قد

وقول ذي الأصبع العدواني :

إذا ما الدهر جر على أناس *** كلا كله أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا

وذكر العلامة الطيبي ونقله «صاحب الكشف » بأدنى زيادة أن هذا رجوع إلى ما سيق له السورة الكرمية من حيث النبوة ليتخلص منه إلى تقرير مشرع آخر ، وذلك لأنه تعالى لما أفحم القائلين باتخاذ الولد والمتخذين له سبحانه شركاء وبكتهم ذكر ما يدل على إفحامهم وهو قوله تعالى : { أَفإِيْن } الخ لأن الخصم إذا لم يبق له متشبث تمنى هلاك خصمه .