مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

قوله تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } .

القراءة : روي عن الكسائي { خصمان } بكسر الخاء ، وقرئ { قطعت } بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، قرأ الأعمش : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ردوا فيها } الحسن { يصهر } بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرئ { ولؤلؤا } بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤا كقوله وحورا عينا ولؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا ، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر ههنا كيفية اختصامهم ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله : { هذان خصمان اختصموا } ، والجواب : الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل : هذان فوجان أو فريقان يختصمان ، فقوله : { هذان } للفظ واختصموا للمعنى كقوله : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا } .

المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الخصمين وجوها أحدها : المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة { في ربهم } أي في ذاته وصفاته وثانيها : روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم . وثالثها : روى قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة ابن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة . ورابعها : قال عكرمة : هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصا فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله : { هذان } كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة ، وأيضا ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب ، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما ، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله : { إن الله يفصل بينهم } أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكما فبين الله تعالى حكمه في الكفار ، وذكر من أحوالهم أمورا ثلاثة أحدها : قوله : { قطعت لهم ثياب من نار } والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } عن أنس ، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذا من قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى : { ونفخ في الصور } ، { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع . وثانيها : قوله : { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } يصهر به ما في بطونهم والجلود ، الحميم الماء الحار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

خصمان : واحدُهما خصم وهو المنازع .

قطعت لهم : قدرت ، فصلت لهم وهي الأوْلى .

الحميم : ا لماء المغلي .

إن أهلَ الأديان الستة الذين سبق ذِكرهم فريقان : فريق المؤمنين وفريق الكافرين ، جادلوا في دين الله وتنازعوا في أمر ربهم ، وكل فريقٍ يعتقد أن الّذي عليه هو الحقّ . فالذين كفروا أُعدّت لهم نيرانٌ تحيط بهم كأنها ثياب قُدِّرت على أجسامهم ، ولزيادة تعذيبهم تصبُّ الملائكة على رؤوسهم الماء المغلي .

فقد روى ابن جرير الطبريّ في تفسيره أن أبا ذَرٍّ رضي الله عنه كان يُقسم أن هذه الآيات نزلت في المتبارزين يوم بدر . وفي الصحيحَين عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه انه قال : فينا نزلتْ هذه الآيات ، وأنا أولُ من يجثو في الخصومة على رُكبتيه بين يد الله يوم القيامة . . والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

{ هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبّهِمْ } تعيين لطرفي الخصام وتحرير لمحله فالمراد بهذان فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى الفرق الخمس . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . ومجاهد . وعطاء بن أبي رباح . والحسن . وعاصم . والكلبي ما يؤيد ذلك وبه يتعين كون الفصل السابق بين المؤمنين ومجموع من عطف عليهم ، ولما كان كل خصم فريقاً يجمع طائفة جاء { اختصموا } بصيغة الجمع .

وقرأ ابن أبي عبلة { اختصما } مراعاة للفظ { هذان خَصْمَانِ } وهو تثنية خصم ؛ وذكروا أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد المذكر وغيره ، قال أبو البقاء : وأكثر الاستعمال توحيده فمن ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء ، وعن الكسائي أنه قرأ { خَصْمَانِ } بكسر الخاء ، ومعنى اختصامهم في ربهم اختصامهم في شأنه عز شأنه ، وقيل في دينه ، وقيل في ذاته وصفاته والكل من شؤونه تعالى واعتقاد كل من الفريقين حقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء أفواله وأفعاله عليه يكفي في تحقق خصومته للفريق الآخر ولا يتوقف عن التحاور .

وأخرج ابن جرير . وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : تخاصمت المؤمنون واليهود فقالت اليهود : نحن أولى بالله تعالى وأقدم منكم كتاباً ونبياً قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله تعالى آمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله تعالى من كتاب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً فنزلت .

وأخرج جماعة عن قتادة نحو ذلك . واعترض بأن الخصام على هذا ليس في الله تعالى بل في أيهما أقرب منه عز شأنه ، وأجيب بأنه يستلزم ذلك وهو كما ترى . وقيل عليه أيضاً : أن تخصيص اليهود خلاف مساق الكلام في هذا المقام . وفي «الكشف » قالوا : إن هذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس من أن الآية ترجع إلى أهل الأديان الستة في التحقيق لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وأخرج البخاري . ومسلم . والترمذي . وابن ماجه . والطبراني . وغيرهم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية { هذان خَصْمَانِ } إلى قوله تعالى : { إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [ الحج : 14 ] نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر هم حمزة بن عبد المطلب . وعبيدة بن الحرث . وعلي بن أبي طالب . وعتبة . وشيبة ابنا ربيعة . والوليد بن عتبة ، وأنت تعلم أن هذا الاختصام ليس اختصاماً في الله تعالى بل منشؤه ذلك فتأمل ولا تغفل .

وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان ، وفي الكلام كما قال غير واحد تقسيم وجمع وتفريق فالتقسيم { إِنَّ الذين ءامَنُواْ - إلى قَوْلُهُ تَعَالَى - والذين أَشْرَكُواْ } والجمع { إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } إلى قوله تعالى : { هذان خَصْمَانِ اختصموا في رَبّهِمْ } [ الحج : 17 19 ] والتفريق في قوله سبحانه : { فالذين كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } الخ أعد لهم ذلك ، وكأنه شبه أعداد النار المحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثتهم ففي الكلام استعارة تمثيلية تهكمية وليس هناك تقطيع ولا ثياب حقيقة ، وكأن جمع الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم وكون بعضها فوق بعض .

وجوز أن يكون ذلك لمقابلة الجمع بالجمع والأول أبلغ ، وعبر بالماضي لأن الإعداد قد وقع فليس من التعبير بالماضي لتحققه كما في { نُفِخَ في الصور } [ الكهف : 99 ] .

وأخرج جماعة عن سعيد بن جبير أن هذه الثياب من نحاس مذاب وليس شيء حمي في النار أشد حرارة منه فليست الثياب من نفس النار بل من شيء يشبهها وتكون هذه الثياب كسوة لهم وما أقبحها كسوة . ولذا قال وهب : يكسى أهل النار والعرى خير لهم . وقرأ الزعفراني في اختياره { قُطّعَتْ } بالتخفيف والتشديد أبلغ .

{ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الحميم } أي الماء الحار الذي انتهت حرارته ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو سقط من الحميم نقطة على جبال الدنيا لإذابتها ، وفسره ابن جبير بالنحاس المذاب ، والمشهور التفسير السابق ، ولعله إنما جيء بمن ليؤذن بشدة الوقوع ؛ والجملة مستأنفة أو خبر ثان للموصول أو في موضع الحال المقدرة من ضمير { لَهُمْ } .