الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ } أي في دينه وأمره ، والخصم اسم شبيه بوصف المصدر فلذلك قال : اختصموا ، نظيرها

{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ } [ ص : 21 ] .

واختلف المفسّرون في هذين الخصمين من هما ؟ فروى قيس بن عبّاد أنّ أبا ذرّ الغفاري كان يقسم بالله سبحانه أُنزلت هذه الآية في ستّة نفر من قريش تبادروا يوم بدر : حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وعبيدة بن الحارث ، قال : وقال علي : إنّي لأوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى ، وإلى هذا القول ذهب هلال بن نساف وعطاء بن يسار . وقال ابن عباس : هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين : نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً ونبيّنا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحقّ بالله ، آمنّا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنّا بنبيّكم وبما أنزل الله سبحانه من كتاب ، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً ، وكان ذلك خصومتهم في ربّهم .

وقال مجاهد وعطاء أبن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي : هم المؤمنون والكافرون كلّهم من أيّ ملّة كانوا .

وقال عكرمة : هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار : خلقني الله سبحانه وتعالى لعقوبته ، وقالت الجنّة : خلقني الله عزّ وجلّ لرحمته ، فقد قصّ الله عليك سبحانه من خبرهما ما تسمع ، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو سعيد بن حمدون رحمه الله بقراءتي عليه قال : أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال : حدَّثنا محمد بن يحيى الذهلي وعبد الرَّحْمن بن بشر العبدي وأحمد بن يوسف السلمي قالوا : حدَّثنا عبد الرزاق بن همام الحميري قال : أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه قال : هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تحاجّت الجنة والنار فقالت النار : أوثرتُ بالمتكبّرين المتجبّرين ، وقالت الجنة : لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقاطهم ، فقال الله سبحانه للجنة : إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنتِ عذابي أُعذّب بك من أشاء من عبادي ، ولكلّ واحد منكما ملؤها ، فأما النار فإنّهم يُلقون فيها وتقول : هل من مزيد ؟ فلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه رجله فتقول : قط قط قط ، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ، ولا يظلم من خلقه أحداً . وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً . "

ثم بيّن مآل الخصمين وحال أهل الدارين فقال سبحانه وتعالى { فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ } .

قال سعيد بن جبير : ثياب من نحاس من نار ، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه .

{ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } الماء الحار .

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال : " إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جنبه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه ، وهو الصهر ثم يعاد كما كان "