مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

ثم قال تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون }

قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } لما بين حال المشرك الظاهر شركه بين حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته الله للدنيا ، فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك ، بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء ، فمن الناس من يعبد الله في الشدة كما قال تعالى : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم } ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة كما قال تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } والأول كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب والثاني كالذي يخدم أجيرا لتوقع الأجر وكلاهما لا يكون من المثبتين في ديوان المرتبين في الجرائد الذين يأخذون رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن ، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين الذين لهم رزق عند ربهم ، وفيه مسألة : وهي أن قوله تعالى : { فرحوا بها } إشارة إلى دنو همتهم وقصور نظرهم فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل منه إليهم ، فإن قال قائل الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة ، فكيف ذلك ؟ فنقول هناك قال : فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من الله ، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفا على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به ، ولو أعطى الملك فقيرا غير ملتفت إليه رغيفا أو زبدية طعام أيضا يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفا وزبدية .

ثم قال تعالى : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } لم يذكر عند النعمة سببا لها لتفضله بها وذكر عند العذاب سببا لأن الأول يزيد في الإحسان والثاني يحقق العدل . قوله { إذا هم يقنطون } إذا للمفاجأة أي لا يصبرون على ذلك قليلا لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

ثم ذكر حالَ طائفة من الناس دون سابقيهم ، وهم من تكون عبادتُهم لله رهنَ إصابتهم من الدنيا . . . فإن آتاهم ربهم منها رَضُوا وفرحوا ، وإذا مُنعِوا سَخِطوا وقنِطوا ، فقال :

{ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }

فلو أنهم آمنوا إيمانا صادقاً لسلَّموا أمرهم الى الله واستراحوا . وفي الحديث الصحيح :

«عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاءً إلا كان خيراً له ، فإن أصابته سراء شكرَ فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له »

قراءات :

قرأ الكسائي وأبو عمرو : { يقنِطون } بكسر النون ، والباقون بضمها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

{ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } أي نعمة من صحة وسعة ونحوهما { فَرِحُواْ بِهَا } بطرا وأشرا فإنه الفرح المذموم دون الفرح حمداً وشكراً . وهو المراد في قوله تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] وقال الإمام : المذموم الفرح بنفس الرحمة والممدوح الفرح برحمة الله تعالى من حيث أنها مضافة إلى الله تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } أي فاجؤوا القنوط من رحمته عز وجل ، والتعبير بإذا أولاً لتحقق الرحمة وكثرتها دون المقابل ، وفي نسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة تعليم للعباد أن لا يضاف إليه سبحانه الشر وهو كثير كقوله تعالى : { أَنْعَمْتَ } في الفاتحة ، وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة وبيان سبب إصابة السيئة على الاستمرار في القنوط ، والمراد بالناس أما فريق آخر غير الأول على أن التعريف للعهد أو للجنس وأما الفريق الأول لكن الحكم الأول ثابت لهم في حال تدهشهم كمشاهدة الغرق وهذا الحكم في حال آخر لهم فلا مخالفة بين قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } [ الروم : 33 ] وقوله سبحانه : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } [ الروم : 63 ] فلا يحتاج إلى تكلف التوفيق بأن الدعاء اللساني جار على العادة فلا ينافي القنوط القلبي ولذا سمع بعض الخائضين في دم عثمان رضي الله تعالى عنه يدعو في طوافه ويقول : اللهم اغفر لي ولا أظنك تفعل ، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء ، ولا يخفى أن في المفاجأة نبوة ما عن هذا فتأمل .

وقرىء «يقنطون » بكسر النون .