أما قوله تعالى : { فتبسم ضاحكا من قولها } يعني تبسم شارعا في الضحك ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك ، وإنما ضحك لأمرين : أحدهما : إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى ، وذلك قولها : { وهم لا يشعرون } والثاني : سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه .
أما قوله تعالى : { رب أوزعني } فقال صاحب الكشاف : حقيقة أوزعني : اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني ، حتى أكون شاكرا لك أبدا ، وهذا يدل على مذهبنا ، فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث .
وأما قوله تعالى : { وعلى والدي } فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه . ومعنى قوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح ، ثم قال : { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين ، وقوله : { برحمتك } يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد . واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولا ثم طلب ثواب الآخرة ثانيا ، أما وسيلة الثواب فهي أمران : أحدهما : شكر النعمة السالفة . والثاني : الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة ، فهي قوله تعالى : { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } ولما كان الإنعام على الآباء إنعاما على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن ، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله : { وعلى والدي } وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، فقوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } وأما طلب ثواب الآخرة فقوله : { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف : { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } وقال سليمان : { أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ؟ جوابه : الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم .
التبسُّمُ من الملوكِ يندر لمراعاتهم حُكْمَ السياسة ، وذلك يدلُّ على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسُّم ، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حُسْنَ سياسته لرعيته .
وفي القصة أنه استعرض جُنْدَه ليراهم كم هم ، فَعَرَضَهم عليه ، وكانوا يأتون فوجاً فوجاً ، حتى مضى شَهْرٌ وسليمان واقفٌ ينظر إليهم مُعْتَبِراً فلم ينتهوا ، ومَرَّ سليمانُ عليه السلام .
وفي القصة : أن عظيم النمل كان مثل البغل في عِظَمِ الجثة ، وله خرطوم . والله أعلم .
قوله جلّ ذكره : { رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضاهُ } .
في ذلك دليلٌ على أن نَظَرَه إليهم كان نَظَرَ اعتبارٍ ، وأنه رأى تعريفَ الله إِياه ذلك ، وتنبيهُه عليه من جملة نِعَمِه التي يجب عليها الشكرُ .
وفي قوله : { وَعَلَى والدي } دليلٌ على أَنَّ شُكْرَ الشاكر لله لا يختص بما أَنْعَمَ به عليه على الخصوص ، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خَصَّ وَعَمَّ من نِعَمِه .
قوله جلّ ذكره : { وأدخلني بِرَحْمَتِكَ في عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } .
سأل حُسْنَ العاقبة . لأنَّ الصالحَ من عباده مَنْ هو مختوم له بالسعادة .
19-{ فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .
التبسم : مبدأ الضحك من غير صوت ، والضحك : انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي ، فإن كان فيه صوت يسمع من بعيد فهو القهقهة .
فتبسم سليمان مسرورا ضاحكا راضيا من كلام النملة ، ومن نعمة الله عليه في فهم كلامها ، ومن شدة حسمها ، وقيامها بواجبها ، وتوضيح مقاصدها لطائفة النمل ، واحتراسها .
حين قالت : { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون }
ولما رأى سليمان ذلك رضي وشمله السرور والرضا ، وأخذ في دعاء الله قائلا :
{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .
أي : قال : يا رب تفضلت عليّ بنعم كثيرة ، فألهمني وسخّرني ووفقني أن أقوم بشكر نعمك ، والثناء عليك ، والاعتراف لك بالفضل والمنة ، جزاء ما أنعمت به عليّ وعلى والديّ ، وزدني توفيقا ، حتى أعمل العمل الصالح الذي ترضاه وتقبله ، واجعلني ممن تشمله رحمتك وفضلك ، حتى أكون في جملة عبادك الصالحين ، الذين رضيت عنهم ورضوا عنك .
ومن هذه الآية ، نُدرك قيمة الصلاح وأنه غاية سامية يتطلع إليها الأنبياء والمرسلون ، حتى قال تعالى : { ونبيا من الصالحين } [ آل عمران : 39 ] . فالعبد الصالح قدر الله في الأرض ، تدعو له الملائكة ، ويتجاوب معه الكون ، ويصله السلام من ملايين المسلمين في كل صلاة ، ففي قراءة التشهد : [ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ] .
وقد كان هذا الدعاء من سليمان من تواضع الكاملين ، فأبوه رسول أعطاه الله الفضل ، وأمّه زوجة نبي وأم نبي ، وهو رسول أكرمه الله ، لكن الهدف الأصيل عنده هو الوصول إلى رضا الله ، والقيام بشكره ، والتوفيق لأن يعمل عملا صالحا مخلصا يرضاه الله ، وأن ينتظم في سلك العباد الصالحين ، فما أجلها من نعم ، وما أفضلها من أدعية .
{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .
{ أوزعني أن اشكر } : أي ألهمني لأن أشكر نعمتك التي أنعمت علي .
وما إن سمعها سليمان وفهم كلامها حتى تبسم ضاحكاً من قولها { وقال رب } أي يا رب { أوزعني } ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، وأن أعمل صالحاً ترضاه } أي ويسر لي عملاً صالحاً ترضاه مني ، { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } أي في جملتهم في دار السلام .
- وجوب الشكر عند مشاهدة النعمة ورؤية الفضل من الله عز وجل .
- تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذا الحديث لا يتأتى له غلا بالوحي الإِلهي .
{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا } إعجابا منه بفصاحتها{[592]} ونصحها وحسن تعبيرها . وهذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدب الكامل ، والتعجب في موضعه وأن لا يبلغ بهم الضحك إلا إلى التبسم ، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه التبسم ، فإن القهقهة تدل على خفة العقل وسوء الأدب . وعدم التبسم والعجب مما يتعجب منه ، يدل على شراسة الخلق والجبروت . والرسل منزهون عن ذلك .
وقال شاكرا لله الذي أوصله إلى هذه الحال : { رَبِّ أَوْزِعْنِي } أي : ألهمني ووفقني { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد . فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه ، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } أي : ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه لكونه موافقا لأمرك مخلصا فيه سالما من المفسدات والمنقصات ، { وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ } التي منها الجنة { فِي } جملة { عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } فإن الرحمة مجعولة للصالحين على اختلاف درجاتهم ومنازلهم .
فهذا نموذج ذكره الله من حالة سليمان عند سماعه خطاب النملة ونداءها .