مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (20)

قوله تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين }

أي ظنه أنه يغويهم كما قال : { فبعزتك لأغوينهم } وقوله : { فاتبعوه } بيان لذلك أي أغواهم ، فاتبعوه { إلا فريقا من المؤمنين } قال تعالى في حقهم : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ويمكن أن يقال : صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه : { أنا خير منه } ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه ، لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر ، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عنادا كفر ، والمشرك يعبد غير الله فهو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد ، وهم كفروا بأمر هو الإشراك ، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء ، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل ، بدليل أنه تعالى قال عنه : { إلا عبادك منهم المخلصين } فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء ، وأما في قوله : { أنا خير منه } اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين ، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول ، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج ، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي ، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (20)

قوله جل ذكره : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } .

صدَّق عليهم إبليس ظنّه - وإنْ كان لا يملك لنفسه أمراً ، فإبليس مُسَلِّطٌ على أتباعه من الجنِّ والإِنس ، وليس به من الإضلال شيء ، ولو أمكنه أَن يَضُرَّ غيرَه لأمكنه أن يمسك على الهداية نَفْسَه ، قال تعالى :{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }[ الإِسراء : 65 ] .

{ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } : يهدي من يشاء ويضل من يشاء . ثم أخبر - سبحانه وتعالى - أنه بمُلْكِه متفرِّدٌ ، وفي الألوهية متوحِّدٌ ، وعن الأضداد والأنداد متعزِّزٌ ، وأَنهم لا يملكون مثقالَ ذَرَّةٍ ، ولا مقياسَ حَبَّةٍ ، وليس منهم نصير ، ولا شريك ولا ظهير ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن الملائكة في السماءِ بوصف الهيبة فَزِعُون ، وفي الموقف الذي أثبتهم الحقُّ واقفون ، لا يفترون عن عبادته ولا يعصون .