مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (8)

وقوله يقولون : { لئن رجعنا } أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال : { ولله العزة } أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا : مقالتهم هذه ، قال صاحب الكشاف : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين ، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال : ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه ، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى : العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر ، قال تعالى : { ذلكم بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق } وفيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق ، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر ، فإن قيل : قال في الآية الأولى : { لا يفقهون } وفي الأخرى { لا يعلمون } فما الحكمة فيه ؟ فنقول : ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم ، ولا يفقهون من فقه يفقه ، كعلم يعلم ، ومن فقه يفقه : كعظم يعظم ، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (8)

قوله جل ذكره : { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنََّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .

إنما وقع لهم الغَلَطُ في تعيين الأعزِّ والأذَلِّ ؛ فتوَهَّموا أنَّ الأعزَّ هم المنافقون ، والأذلَّ هم المسلمون ، ولكن الأمر بالعكس ، فلا جَرَمَ غَلَبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وأُذِلَّ المنافقون بقوله : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } : لله عِزُّ الإلهية ، وللرسول عِزُّ النبوَّة ، وللمؤمنين عِزُّ الولاية . وجميعُ ذلك لله ؛ فعِزُّه القديم صِفَتُه ، وعِزُّ الرسولِ وعِزُّ المؤمنين له فِعْلاً ومِنَّةً وفَضْلاً ، فإذاً لله العِزَّةُ جميعاً .

ويقال : كما أنَّ عِزَّةَ الله - سبحانه - لا زوالَ لها فعِزَّة الأنبياء بأن لا عَزْلَ لهم ، وعِزَّةُ المؤمنين بألا يَبْقَى منهم مُخَلَّدٌ في النار .

ويقال : مَنْ كان إيمانُه حقيقياً فلا زوالَ له .

ويقال : مَنْ تعزَّزَ بالله لم يلحقه تَغَيُّرٌ عن حاله بغير الله .

ويقال : لا عِزَّ إلاَّ في طاعةِ الله ، ولا ذُلَّ إلاَّ في معصية الله . . . وما سوى هذا فلا أصلَ له .