مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّـٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا} (4)

ثم قال تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ، ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } قوله : { واللائي يئسن من المحيض } الآية ، ذكر الله تعالى في سورة البقرة عدة ذوات الأقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة ، وروي أن معاذ بن جبل قال : يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض ، فما عدة التي لم تحض فنزل : { واللائي يئسن من المحيض } وقوله : { إن ارتبتم } أي إن أشكل عليكم حكمهن في عدة التي لا تحيض ، فهذا حكمهن ، وقيل : إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الإياس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة { فعدتهن ثلاثة أشهر } فلما نزل قوله تعالى : { فعدتهن ثلاثة أشهر } قام رجل فقال : يا رسول الله فما عدة الصغيرة التي لم تحض ؟ فنزل : { واللائي لم يحضن } أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر ، فقام آخر وقال ، وما عدة الحوامل يا رسول الله ؟ فنزل : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } معناه أجلهن في انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل ، وهذا عام في كل حامل ، وكان علي عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين ، ويقول : { والذين يتوفون منكم } لا يجوز أن يدخل في قوله : { وأولات الأحمال } وذلك لأن أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق ، وهي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض ، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين . وأما ابن مسعود فقال : يجوز أن يكون قوله : { وأولات الأحمال } مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى : { واللائي يئسن } ولما كان مبتدأ يتناول العدد كلها ، ومما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوما ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج ، فدل على إباحة النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر ، على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال . وقال الحسن : إن وضعت أحد الولدين انقضت عدتها ، واحتج بقوله تعالى : { أن يضعن حملهن } ولم يقل : أحمالهن ، لكن لا يصح ، وقرئ أحمالهن ، وقوله : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } أي ييسر الله عليه في أمره ، ويوفقه للعمل الصالح . وقال عطاء : يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّـٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا} (4)

قوله : { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ } . . . إلى قوله :

{ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } .

التوكلُ : شهود نَفْسِك خارجاً عن المُنَّة تجري عليكَ أحكامُ التقديرِ من غير تدبيرٍ منك ولا اطّلاعٍ لكَ على حُكمِه ، وسبيلُ العبدِ الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر ، وفي الخبر : " أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع " : ومن العلم الذي لا ينفع - ويجب أَنْ تستعيذَ منه - أن يكون لك شُغْلٌ أو يستقبلك مُهِمٌّ من الأمر ويشتبه عليك وجهُ التدبيرِ فيه ، وتكون مُطَالَباً بالتفويض - فَطَلبُكَ العلم وتمنِّيكَ أَنْ تعرفَ متى يصلح هذا الأمرُ ؟ ولأي سبَبٍ ؟ ومِنْ أيِّ وجهٍ ؟ وعلى يد مَنْ ؟ . . . كل هذا تخليطٌ ، وغيرُ مُسَلَّمٍ شيءٌ منه للأكابر .

فيجب عليك السكونُ ، وحُسْنُ الرضا . حتى إذا جاء وقتُ الكَشْف فسترى صورة الحال وتعرفه ، وربما ينتظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام أو ينظر في ( . . . ) من الجامع ، أو يرجو بيان حاله بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت . . . كلُّ هذا ترْكٌ للأدب ، واللَّهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه ، بل الواجبُ السكونُ .