قوله تعالى : { قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون }
المسألة الأولى : اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوها . ( أحدها ) : أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا . ( وثانيها ) : قولهم : نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان . ( وثالثها ) : قولهم ؛ { نحن أبناء الله وأحباؤه } وقولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقولهم : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } عن الحسن . ( ورابعها ) : { أتحاجوننا في الله } أي : أتحاجوننا في دين الله .
المسألة الثانية : هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوها . ( أحدها ) : أنه خطاب لليهود والنصارى . ( وثانيها ) : أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا : { لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } والعرب كانوا مقرين بالخالق . ( وثالثها ) : أنه خطاب مع الكل ، والقول الأول أليق بنظم الآية .
أما قوله : { وهو ربنا وربكم } ففيه وجهان . ( الأول ) : أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربكم ، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه ، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له . ( الثاني ) : أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية ، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم ، فلم ترجحون أنفسكم علينا ، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية ، ولستم كذلك ، وهو المراد بقوله : { ونحن له مخلصون } وهذا التأويل أقرب .
أما قوله تعالى : { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة ، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح ، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية ، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب البتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق ، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم .
ثم تمضي الحجة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة :
( قل : أتحاجوننا في الله ، وهو ربنا وربكم ، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، ونحن له مخلصون ) ولا مجال للجدل في وحدانية الله وربوبيته . فهو ربنا وربكم ، ونحن محاسبون بأعمالنا ، وعليكم وزر أعمالكم . ونحن متجردون له مخلصون لا نشرك به شيئا ، ولا نرجو معه أحدا . . وهذا الكلام تقرير لموقف المسلمين واعتقادهم ؛ وهو غير قابل للجدل والمحاجة واللجاج . .
{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } تجريد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما أن المأمور به من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام ، والهمزة للإنكار ، وقرأ زيد والحسن وغيرهما بإدغام النون أي تجادلونا .
{ فِى الله } أي في دينه وتدعون أن دينه الحق اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما ، وقيل : المراد في شأن الله تعالى واصطفائه نبياً من العرب دونكم بناءاً على أن الخطاب لأهل الكتاب وسوق النظم يقتضي أن تفسر المحاجة بما يختص بهم ، والمحاجة في الدين ليست كذلك والقرينة على التقييد قوله سبحانه قبل : { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } [ البقرة : 136 ] وبعد { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة } [ البقرة : 140 ] حيث إنه تعريض بكتمان أهل الكتاب شهادة الله سبحانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما روي في سبب النزول أن أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم منها فلو كنت نبياً لكنت منا فنزلت ، ولا يخفى عليك أن المحاجة في الدين على ما ذكرنا مختصة بهم على أن ظاهر السوق يقتضي ذمهم بما صار ديناً لهم وشنشنة فيهم حتى عرفوا فيه ، ومشركو العرب وإن حاجوا في الدين/ أيضاً لكنهم لم يصلوا فيه إلى رتبة أهل الكتاب لما أنهم أميون عارون عن سائر العلوم جاهلون بوظائف البحث بالكلية نظراً إلى أولئك القائمين على ساق الجدال وإن القرينتين السابقة واللاحقة على التقييد في غاية الخفاء وأن ما روي في سبب النزول ليس مذكوراً في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المعتبرة كما نص على ذلك الإمام السيوطي وكفى به حجة في هذا الشأن .
{ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } جملة حالية أي أتجادلوننا والحال أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى مالك أمرنا وأمركم { وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } عطف على ما قبله أي لنا جزاء أعمالنا الحسنة الموافقة لأمره ولكم جزاء أعمالكم السيئة المخالفة لحكمه { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه فأنى لكم المحاجة ودعوى حقيقة ما أنتم عليه والقطع بدخول الجنة بسببه ودعوة الناس إليه . والجملة حالية كالتي قبلها ، وذهب بعض المحققين أن هذه الجملة كجملتي { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 133 ] { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } [ البقرة : 138 ] اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف ، وتحريره أن { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مناسب لآمنا أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه وقوله تعالى : { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } ملائم لقوله تعالى : { صِبْغَةَ الله } [ البقرة : 138 ] لأنها بمعنى دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق ، وهذه الآية موافقة لما قبلها ، ولعل الذوق السليم لا يأباه ، وأما القول بأن معنى { وَهُوَ رَبُّنَا } الخ أنه لا اختصاص له تعالى بقوم دون قوم فيصيب برحمته من يشاء فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب يفتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله تعالى فالكل فيه سواء ، وإما إفاضة حق على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمال ونحن له مخلصون بها لا أنتم ، فمع بنائه على ما علمت ركاكته غير ملائم لسباق النظم الكريم وسياقه بل غير صحيح في نفسه كما أفتى به مولانا مفتي الديار الرومية لما أن المراد بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب أن أمر الصلاح والسوء يدور على موافقة الدين المبني على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم على البعثة بمراتب هذا ؟ا وقد اختلف الناس في الإخلاص ، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
«سألت جبريل عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سألت رب العزة عنه فقال : سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي » وقال سعيد بن جبير : الإخلاص أن لا تشرك في دينه ولا تراء أحداً في عمله ، وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياءاً والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله تعالى منهما ، وقال حذيفة المرعشي : أن تستوي أفعال العبد في الباطن والظاهر ، وقال أبو يعقوب : المكفوف أن يكتم العبد حسناته كما يكتم سيآته ، وقال سهل : هو الإفلاس ، ومعناه احتقار العمل وهو معنى قول رويم ارتفاع عملك عن الرؤية قيل : ومقابل الإخلاص الرياء ، وذكر سليمان الداراني ثلاث علامات له : الكسل عند العبادة في الوحدة والنشاط في الكثرة وحب الثناء على العمل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.